أزمة المنظومة الاثنية الشمالية .. بقلم: د.أمل الكردفاني
27 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
37 زيارة
◼تابعوا تاريخ السودان منذ الثورة المهدية مرورا بالاستقلال وانتهاء بكارثة الاسلاميين ، ستلاحظوا ان الشعب عموما لا يؤمن سوى بفكر سرقة حقوق الآخر ، ودنيئة الاستحواز ..والافتقار للرؤية الجماعية والعمل الجماعي وروح الجماعة ، ان العقل السوداني مريض جدا بالفردانية والأنا والكثير من النرجسية المرضية ، لا يمكننا تجاهل هذه الحقائق التي تشكل المجتمعات -خاصة الاثنية الشمالية-السودانية منذ نشوء فكرة الدولة وحتى اليوم. لم أجد اي سبب يدفع البشير الى اقصاء الآخرين والاستحواز الكامل على السلطة والثروة ، فبدلا عن بناء دولة القانون والمؤسسات وتمهيد السبيل لتحسين الفهم الديموقراطي وفلسفة الانتخاب الجماهيري لحكامه ، والتوجه لمشاريع قومية ، لم يقم البشير سوى ببناء منطقة كافوري ووزع أموال الشعب على اقربائه ، وترك الحبل على الغارب للاسلاميين ليزدادوا فسادا وثراء وقسم الدولة وأهلها شيعا . لكن لكي اكون منصفا فلابد ان اتساءل: منذ الاستقلال هل جاءت شخصية حملت مشروعا قوميا عظيما يوحد بدلا عن ان يفرق ، يعطي بدلا عن ان يأخذ ، اذا استبعدنا مشروع جون قرنق فلن نجد اي شخصية سياسية حملت برنامجا لمشروع قومي كبير يستغرق جميع اهل السودان ، لقد تم تقسيم السودان قبائليا على مستوى السلطة والثروة ، واستمر البشير في ذات التقسيم وان كان بشكل مكشوف ومعلن ، البشير يقدم محاصصات على مستوى القبائل فيعين منهم من يرضيهم ويمثلهم ، ويفتح خزينة الدولة امام المثقفين منهم ليشتري صمتهم ، ربما هناك مشكلة نفسية لدى الانسان السوداني وهو انه يستكثر على الشعب اي عطاء واي فائدة يمكن أن تعود على الجميع بالخير العام. لماذا يعمل الانسان السوداني بكل طاقته في الخارج ويعمل بأدناها في الداخل ، لماذا يعطي في الخارج ويمنن ويستكثر في الداخل ، هذه قضايا تحيلنا الى الاساس الابستمولوجي الذي تشكلت عليه ثقافته ، تلك الثقافة شديدة الادعاء والتظاهر شحيحة العطاء ، شديدة البخل والشبقة للاكتناز على حساب الغير . هذا التكوين السايكولوجي ليس محصورا على نطاق الحاكمية السلطوية بل حتى على مستويات السيطرة الاقل كالاحزاب والنقابات والمنظمات بل وحتى الشراكات الاقتصادية. ان الموثوقية تكاد تكون منعدمة بين الجميع لأداء عمل جماعي منظم يحقق الخير العام بالتساوي وبالعدل. لذلك انا اعتقد ان مشكلة هذا الشعب هي مشكلة نفسثقافية ، لأن التشكل النفسي لا يعزب عن البناء الثقافي للانسان. لقد استعار البعض مصطلح العقل الرعوي من ابن خلدون لكن هذا المصطلح بالنسبة لي فضاض وغير منضبط بل ولا معنى له حينما نتحدث عن الشعوب لشدة تباينها الثقافي وتباين انماطها الاقتصادية ، كما ان ربط العقل بنمط اقتصادي واحد يبدو لي ربطا شديد التعسف وفيه تصنع لا يفضي الى نتائج علمية او على الاقل منطقية. طيب..وفقا لاختلافاتنا الشديدة في الداخل اثنيا على الاقل ، فهل يمكننا قصر تلك المشكلة النفس ثقافية على منظمومات اثنية معينة ، هل نستطيع ان نلقي باللائمة على المجموعات الاثنية الشمالية فقط ، هل تكون تلك المجموعات هي البؤرة وما حولها هي الانعكاسات فقط؟ ورغم حيدتي التامة باعتباري لا من هؤلاء ولا اولئك فإنني اتفق مع هذه الرؤية ، ولكن بتحديد وتدقيق اكبر فهذه المجموعات الاثنية ليست عنصرية بقدر ماهي أنانية ، انا لا ارى عنصرية واضحة ولكني ارى مغالبة وفكر تصارعي اكثر ، والسبب في انني قد اتفق مع هذا الاتجاه هو ان هذه المنظومات المجتمعية هي التي تسيدت ادارة نظم الحكم في السودان ديموقراطية او دكتاتورية ، وحصرت على نفسها كل الأضواء واستأثرت حقيقة بالثروات ، فهذه المنظومات لم تعمل على خلق مشروع جماعي قومي عظيم ، ولا زالت حتى الآن تكره مثل هذه الأفكار او تلك الاطروحات ذات البعد القومي التوتاليتاري. ان المنظومات الاثنية الشمال نيلية ذات خصائص وبنيات نفسثقافية شديد التحيز وشديدة الغموض في نفس الوقت ، حتى بقياسات فردية محضة . لقد كانت لحدود السودان الشمالية مع مصر اثرها البالغ في غلبة هذه المنظومات على السلطة وكذلك بسبب الاستعمار ، ولكنها لم تنجح في امتحان القيادة الجماعية ، ربما لأن فكرة الدولة الحديثة لم تكن معروفة في ذلك الوقت وربما لأن هذه المنظومات حملت خاصيتين متناقضتين وهما التخلف (بالاستناد الى القبيلة) والتسيد (حق الملك العام) ، تماما كأمي هبطت عليه ثروة كبيرة حتى فقد القدرة على معرفة ماذا يفعل بها ، ملكت هذه المنظومات السيادة ولكنها افتقرت للمعرفة القيادية وربما حتى الآن لا زالت تفتقر لهذه المعرفة ، ولذلك فالفشل الذريع هو النتاج المنطقي حسب المجرى الطبيعي للحياة.. فحين تملك سلطة قيادة الجماعة ولا تملك عقلا جماعيا بل مجرد عقل فردي تفقد السيطرة على كل شيء وتتحول الى عدو للجماعة بدلا عن ان تكون قائدا لها. لاحظ ان هذا الآن أكثر وضوحا في علاقة الاحزاب السياسية بنظام الحكم ، وعلاقتها بجماهير الشعب ، ففيما تحاول الاحزاب ان تقترب من النظام والشعب معا في نفس الوقت فإن الشعب نفسه ينأى عنها ويبتعد… ان الشعب يبحث عن احزاب قومية واضحة في زمن لم تعد الحياة السياسية تتحمل فيه الغموض او تعدد الاوجه . فالاحزاب لا زالت من أزمتها النفسثقافية وتحاول أن تخفيها ، وهي بالتالي تجاري النظام الحاكم الذي يعلنها بوضوح . (لاحظ ان الاحزاب السياسية تمثل المنظومة الاثنية الشماليةةعلى نحو واضح).
وانا اذ احيل هذه الازمة الى المنظومات الاثنية الشمالية لا اتجاهل ان هذه الازمة انعكست بآثارها على كافة المنظومات الاخرى التي لم تجد سوى مجاراتها في منهجها ، فلنلاحظ لجبهة الشرق مثلا التي وقعت اتفاقية مع النظام ، لم تحاول هذه الجبهة ان تحقق اي نتائج حقيقية ملموسة على انسان الشرق ، فالشرق لا يقل انهيارا عن الغرب او الجنوب ، لكنها صامتة ومستكينة ، لقد تأثرت بالتأكيد بالازمة النفسثقافية لدى المنظومة الشمالية الحاكمة ، كذلك الحركات المسلحة التي وقعت اتفاقات مع النظام ، لم تكن سوى حركات معبرة عن مصالح ضيقة جدا ومحصورة في نطاق الفائدة الذاتية ، لكن حتى الان لم تجتمع كل الحركات على روشتة دوائية واحدة لحل ازمة شعوب الغرب ، اخرج من ذلك طرح الحلو القوي جدا لفصل جبال النوبة او استقلالها كما تسميه الحركة الشعبية وهذا استثناء لا يقاس عليه . ان النوبة في الواقع يريدون الخروج من الأزمة النفسثقافية التي يحاول الشماليون جرهم الى المرض بها ، هي محاولة للانفلات من ازمة مزمنة وعميقة لن تجد لها انفراجا على الامد القريب وربما لن تنفرج ابدا حتى لو انقسم السودان الى عشرات الدويلات الصغيرة.
ربما موقف الحلو الآن يبدو قويا جدا وانا اقف مع انفصال جبال النوبة بل وحتى النيل الازرق ، ولو كنت افكر بمصالح الجميع فسأوافق على انفصال دارفور والشرق عن المنظومة الاثنية الشمالية تجنبا للوقوع في شرك ازمتها النفسثقافية هذه ، ولم لا؟
لقد وجد عبد العزيز الحلو مناصرة كبيرة من النوبة ، لأنهم يحلمون بالانعتاق من ازمة المنظومة الاثنية الشمالية ، وهذا نفس ما كان الجنوبيون يحلمون به حينما رفضت هذه المنظومة نفسها كل مطالبهم العادلة بالمشاركة في السلطة والثروة سواء بفدرالية حقيقية وحكم ذاتي او بتوزيع عادل واعتراف بحقوقهم بالتساوي مع الشماليين. ان المظومة الاثنية الشمالية يجب عليها ان تقف وقفة جادة مع نفسها ، وان تتساءل عن هذا المرض النفسثقافي الذي ينخر جسدها وان تحاول ايجاد دواء فعال له ، لأنها هي الوحيدة الان -باعتبارها صاحبة السيادة- القادرة على بناء مشروع قومي عام وعادل يتجاوز مخاوف الانقسام والتشرذم …
amallaw@hotmail.com
>