أساس الفوضى (16) .. بقلم: د عبدالمنعم عبدالباقي علي
بسم الله الرحمن الرحيم
هذه الصفات أو الطبائع تخدم غرضاً واحداً وهو “الإشباع الفوري” للرغبات، وهو ما تُمثّله الحياة الدّنيا، أو الشجرة الخبيثة التي قربها وأكل منها بلا حاجة اتّباعاً للشهوات أو للزيادة نتيجة الطمع، بينما “الإشباع المتأخّر” للرغبات هو مقاومة الشهوات والأخذ منها بمقدار وبأمر سماح، أي بإذن، تغليباً لعطاء مُتأخِّر على عطاءٍ حاضر: ” مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا”، و ” مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ”.
والمولي عزّ وجلّ أدري بطبيعة خلقه: ” أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”، ولذلك يُخاطب في الإنسان هذه الطبائع لإغرائه وترغيبه لعمل الصالحات أو ترهيبه من عمل السيئات. ولأنّه يعلم أنّ هذه الصفات “أصيلة” في نفس الإنسان ولا مجال لتغييرها بصفات “دخيلة”، إلا بالجهاد النفسي والرياضة النفسانيّة، فهو يستخدمها كطُعم لاصطياد عبيده وعباده وإنقاذهم من بحار الظلمات إلى شاطئ الأنوار.
وللنّفس طبائع غريزيّة لا يد له فيها تنشط تلقائيّاً ووظيفتها هي المدافعة عن غريزة البقاء إذا ما هُدِّدت، ولذلك فهي بطبعها أنانيّة لا تُفكِّر في أيّ شخص آخر إذا ما جُوبهت بتهديد لبقائها، ويحدث ذلك إن ظلّت على طبيعتها التي خلقها الله عليها بلا مجهود لتغييرها أو تزكيتها من شططها حيث يغلب الفجور على التقوى: ” وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴿7﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴿8﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴿9﴾ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”.
وقد ربط المولي عزّ وجلّ بين مفهوميِّ “التزكية” و”الفلاح”، والفلاح مأخوذ من فعل “الفلاحة” والتي جاءت منها كلمة الفلّاح الذي يفلح الأرض، ومعناه شقّها وتنظيفها لتكون جاهزة لبذر البذور وسقايتها.
فما هي الصفات التي يجب على الإنسان إزالتها من أرض نفسه وما هي الصفات التي يجب عليه غرسها؟
والمولي عزّ وجلّ لخّص لنا هذين المعنيين في الآيتين التاليتين:
وفي الآية:
فالشجرة كانت تُمثّل الحياة الدّنيا وزينتها للإنسان، وكان الامتحان هو تجنّبها، ولمّا لم يفلح حُرم من النّعيم المقيم، ولكن لاعتذاره وفضل الله سبحانه وتعالي أُعطي فرصة أخري؛ وهو في عُرفنا ما يُعرف بالملحق أي فرصة الجلوس للامتحان مرّة أخري بعد الرسوب الأوّل، ولا يزال الامتحان هو نفس الامتحان، وإن كان قد أُذن لنا أن نأخذ من شجرة الحياة الدنيا ما يكفينا لا غير؛ إذ لا مورد آخر مُتاح لنا: “إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ”.
وبرغم تعدّد الصفات السالبة في الإنسان إلا أنّ لها مراتب مختلفة بعضها أصيلة تُمثّل الجذور والبعض الآخر انعكاس للأصيلة تمثّل الفروع والصفق. وسوف نتحدّث بالتفصيل عن أنواع وطبقات الصفات الطيّبة والمتعادلة والخبيثة في وقت لاحقٍ إن أذن الله سبحانه وتعالي حتى نُبيِّن كيف أنّ النّفس تتجاذبها طباع مختلفة وكيفية خلق التّوازن ومن ثَمَّ النظام وتجنّب الفوضى.
والشحُّ في رأينا هو أوّل الصفات الخبيثة أو الحشائش الضارّة التي يجب إزالتها من أرض النّفس، وهو أسّ الشرّ ولذلك قرن بينه المولي عزّ وجلّ وبين الفلاح فقال: ” وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”، وقد كرّر هذه الآية في سورتين تأكيداً لأهميّته النّفسيّة. ففي سورة الحشر ربط هذه الصفة في سياق حسن استقبال الأنصار للمهاجرين والإنفاق عليهم محبّة وإيثاراً:
أمّا في سورة التغابن فقد كانت في سياق الإنفاق العام والذي ارتبط بمفهوم آخر وهو إقراض المولي عزّ وجلّ ومضاعفة المردود وفيه نكتة طريفة وهي أنّ الربا يحلُّ من المعبود للعبد ولكن لا يحلّ بين العبد والعبد:
وليتأمّل القارئ الكريم والقارئة الكريمة في ذات أنفسهم وليروا كيف أنّ شُحَّ نفوسهم هو المُحرِّك الأساس في كلّ تصرّفاتهم إذعاناً له أو محاربة له.
وسوف نتحدّث عن علم الأولويّات وعن أنواع النّفس وطبائعها بالتفصيل إن إذِن الله سبحانه وتعالي لنري كيف تتفاعل وتُنتج لنا نظاماً أو فوضى.
لا توجد تعليقات
