أساطير الحرب المقّدسة

 


 

عثمان عامر
23 August, 2023

 

osman.amer@icloud.com

لِجُملةٍ مِن المقاصدِ، إندفعت الجبهة الإسلامية نحو إنقلابها العسكري سنة ١٩٨٩م، وبِرِّزمَةِ مِنْ المُبرِّرات جَعلتَ تُجمِّل فِعلها. مِن كل ذلك، كانت الواجهة الأكثر ثباتاً، هي الرجعة الإصولية المُعلنة، ومِن بعض ذلك، ظلت الخلفية المخبوءة، تُضْمِرُ قدراً عظيماً مِن عِرقية متعالية مُتسِلِّطة، عِرقية قذفت بهم، في مَسٍّ مِن الجنون، لِتَأْجِيجِ نارِ الحربِ في الجنوب وجبال النوبة، بعد أن إستعانت بكافة الخطابات المتاحة لتوسيع دائرة المشاركة في الحرب.

من خطاب الدولة الموحدة والسلام، إنتقلتَ إلى خُطب الحرب التي تستبطن الإستعلاء العرقي، وتربط حتمية الجهاد بجماليات الإستشهاد في سبيل الله. هذا الخطاب الذي قذف بآلاف البشر الى الموت، بضمان الجنة وسعادة الدار الآخرة بعد أن بَخَّس لهم قيمة الحياة الدنيا، بِمَنطِقٍ يُؤكِّد ( أن البنية المعرفية تكون دوغمائية أكثر فأكثر كلما كان منظورها موجهاً بشدة نحو نقطة بؤرية أو محرقية: أي أن الحاضر محتقر بإستمرار لصالح المبالغة بشأن الماضي" مفهوم العصر الذهبي" أو لصالح المستقبل اليوتوبيا، الذي تتحقق فيه الاحلام الوردية)١، بإقترابها الذي يكاد أن يتطابق بهذا المفهوم، لجأت الجبهة الإسلامية، إلى مغامرة الحرب المقدسة، بعد إخفاقها المزدوج مابين مناورات السلام المكشوفة، والخطط العسكرية التقليدية.

إستخدمت الجبهة الإسلامية، هذه الدوغمائية، بعقلانية واضحة، وذرائعية ماكرة، حينما لم يكن أمامها، سِوى التجييش الشعبي قليل التكاليف والعتاد، والذي تمَّ إعانته فقط، بكل أساطير القتال في التاريخ. تم ذلك لأن قادة الجبهة الإسلامية ( يعرفون كل المعرفة، أن تحريك الجموع الكبيرة إعتمادا على قوة الخيال أسهل بكثير من تحريكها بواسطة القوى المادية الصرفة، ولقد إستفادوا أعظم فائدة من هذه المعرفة، واصبح الساسة نوعا من العرافين في المسائل العامة، وأصبح التنبؤ عنصراً أساسياً في فن الحكم الجديد، وأصبحت الوعود تلقى بغير حساب بغض النظر عن إستحالتها أو عدم إمكانها، فهناك وعود يوتوبية متعددة يتكرر الوعد بها بغير إنقطاع)٢

صارت الكتائب تذهب للقتال بحماس طاغِ وثقة كاملة في عونٍ أكيد آت من مدد القوى الماورائية التي ستشارك عمليا في مواقع العمليات، فبعد إنصرام أربعة عقود على هذه الحرب، وللمرةِ الاولى، شوهدت الملائكة -وليس رجال المظلات- يهبطون من السماء. والقرود الإستوائية النَطَّاطة، تناصر كاسحات الألغام وتسبقها نحو البقاع المُفخخة مضحيِّة بحياتها. وعددُ لا يحصى من المرويات الإسطورية، يُبث وينشر من عِقول مُصنِّعة، فيخصِّبها الخيال الشعبي ويرفعها لقائمةِ المُسَّلمات التي لا يمسها الشك، وبحذقِ تكتمل دائرة الأسطرة الجهنمية، مِن مركز البثِّ إلى قواعده الجماهيرية، فيتَلَّقَفه إعلامهم وكأن الامر متابعة وتغطية خبرية لأحداث وحكايات ليس لهم فيها يَدٌ ودَّورٌ.

ليس من الفِطنة رَدُّ ذلك كله إلى المصادفة أو الهلوسة الجماعية، إذ لا يمكننا وصف هذه الأساطير بأنها ( نتيجة لإنطلاق الخيال أو فعل لاشعوري، فالأساطير السياسية الجديدة نراها تتبع مخططا، فهي لاتظهر عشوائيا، إنها ليست ثمرة شيطانية من صنع خيال خصيب، إنها أشياء مصنوعة وقد صنعها صُناع مهرة ماكرون إلى أبعد حد)٣. كل هذه الخطابات الايديولجية، والإسعافات الروحانية، لم تنجدهم عملياً، فقد تكاثرت الإخفاقات العسكرية وتزايدت أعداد القتلى والجرحى اللذين طال إنتظارهم لنجدةِ ماورائيةِ لم تصلهم في الوقت المناسب.

كان على صُناع الأساطير تدارك الامر، وإحياء هذه التصاوير والقناعات قبل أن تفقد سِحرها الفاعل، ونجحوا مرة ثانية وبإتقان، في إنجاز أساطير جديدة لا يمكن البرهان التجريبي على صِدقها أو الزماني على إستمرارها، فعلوا ذلك بعد أن لبسوا ثياب الكهنة وفتحوا للمقاتلين بوابات الجنّة عبر أدغال الجنوب.

بما أن الفوز بالجنة منال عزيز وذريعة طال إستخدامها وتعددت، بعدد التشكيلات الاسلامية السياسية في صراعها التاريخي الدنيوي من اجل السلطة، وبما أنه تحقق زماني/ مكاني، لم ولن يره احد على قيد الحياة، قامت سلطة الجبهة الاسلامية بصنع هالات وسيطة مابين الحياة والآخرة، سديم سحري مابين نار الحرب وشذى الجنة، قرائن تفضي إلى نتائج سابحة في البرزخ الذي شكلوا هيئته وفق مشيئتهم، ونْجُوا بذلك من إيجاد الادلة الملموسة لمروياتهم. ليتحقق شرط الوجوب - بداهة- مابين الموت في الحرب ودخول الجنة. تَمَّ ذلك بإشاراتٍ واضحة وملموسات حسية دامغة، تتناغم في نثرِ الأحاجي المُتقنة أو الفَطِيرُة، لإنجازِ تصاوير الموت الجميل وأساطيره، كفَوحِْ روائح الصندل والمِسك من أجساد الموتى، في خِضَّمِ أدخنة البارود والحديد الساخن، بعد أن تَمَّ غسلهم بواسطة أجسام نورانية.

خَوَارِقٌ كثيرة، ليس كل مَن رواها كاذب أو يعمل لصالح الخطاب الأيديولجي للسلطة، لكنه مُغيٌب في وعاء إسطوري عالي المغنطة، صارت داخله، كل قواه العقلية والنفسية تقوم بدور الوسيط الناقل للبث المتواصل الذي سَيِّجتُهم دَاخِله أجهزة السلطة والخطاب الإسطوري الذي رَسَّخَ فيهم ذلك، ثم فتح للواقعين تحت سطوته، إضفاء ما يؤكده من تجربتهم الذاتية، تم ذلك بعد أن فتحت لهم السلطة الإصولية، مخزون الخيال والخرافة التي طالما سَخِرتَ منه وحاربته طويلاً.

صارت الاصوات تتداخل كمنلوج جماعي، مابين قائد المنشدين وجوقته، مثل أطياف ورُؤًى جماعية، ترى وحدها ما لانراه في فيزياء هذا الوجود كما هو موجود، وتبدع ( عبر الإسطورة والتخيل كائنات وأشياء وأحداثاً طبيعية وخارقة لم يسبق لها أن وجدت أو حدثت بل من المستحيل لبعضها أن يوجد أو يحدث، يوجِد الانسان هذه الأشياء والأحداث فيمدها بالحركة ويعطيها كيانا ويدخلها في مخيلة الآخرين الذين يفهمون لغته، لمعالجة إشكالات عديدة في غياب الاوضاع التي تثيرها)٤.

حتى يكتسب هذا اللامعقول مشروعيته الدينية و وجاهته الإجتماعية، أشركوا فيه شيخهم حسن الترابي، بعد أن زاد عدد النائحات والثكالى، من الامهات والزوجات والاخوات، فصار الشيخ يطوف على المآتم وبيوت البكاء. كَم سيكون حضوره مُدويِّاً في عزاءِ أسرةِ فقيرةِ بهامشِ المدينة، فقدت عزيز لها في الحرب، حين تراه يقوم باعمال متعددة، ترضي النسوة وهو يطوف بينهن داخل الحوش، في طقس سحري تحت أدخنة البخور، في مشهد يتسق تماما مع مرجعيتهن الثقافية، ويعطيهن العزاء والجدوى لفقدهن. ثم يُرضي الرجال كذلك، بإمامته للصلاة والدعاء لروح الشهيد.

مَشهدٌ لوقائعٍ حزينةٍ، تتداخل فيها كل المؤثرات وتَمُور ما بين الصبر والتَجَمُّل على أوجاع الفقد، وبعض العزاء المزدوج الذي وهبهم له الشيخ الترابي، عزاء في الدنيا والآخرة، عزاء إجتماعي و ديني، فحينما يرى هؤلاء المساكين، أن أحد رجال الدين والدولة، يخصهم بإهتمامه، ويُقرِّب الشُقّة ما بين عِلو وضعيته السياسية و رِقّة حال معاشهم، فهي صورة خَلابَّة، تُشَهِّي الموت وتُحفِّز الصبيان للإندفاع نحو الإستشهاد الجليل.

يؤكد الترابي أنه نموذج للسياسي الحديث حينما ( يجمع في نفسه بين مهمتين غير متوافقتين. فعليه ان يتبع السحر والمنطق معا، فهو كاهن في دين جديد، يسوده الغموض ويخلو من أي جانب معقول، ولكنه عندما يدافع عن هذا الدين ويعمل على ترويجه، فإنه يتبع منهجا منطقيا، فلا شئ يترك للمصادفة، إن كل خطوة يتم إعدادها على خير وجه ويسبقها بحث وتأمل. إن هذا الربط الغريب بين المعقول واللامعقول من أهم الملامح المثيرة للدهشة في أساطيرنا السياسية الحديثة)٥.

* نُشر بصحيفة الفجر ،لندن عام ١٩٩٧.
* كل ماورد من إقتطاف بين قوسين، من كتاب( الدولة والإسطورة) تأليف إرنست كاسيرر، ترجمة احمد حمدي محمود، الهيئة العامة المصرية للكتاب،طبعة ١٩٧٥م
١/
٢/ صفحة ٣٨١
٣/ صفحة ٣٧٢
٤/
٥/ صفحة ٣٧٢

 

آراء