مناظير الإثنين 17 أغسطس، 2026
زهير السرَّاج
manazzeer@yahoo.com
أعتبر نفسي صديقاً حميماً لكثير من الكُتّاب والشعراء والأدباء والمثقفين والصحفيين، بدون أن ألتقي بهم يوماً إلا من خلال إنتاجهم الفكري والأدبي والمهني الذي كان له أثر كبير في حياتي، وكان بعضهم أقرب إليّ من أصدقاء عشتُ معهم سنوات طويلة.
- قرأتهم وعشت مع كتبهم ومقالاتهم وابداعاتهم، فاختلفت معهم أحياناً واتفقْت معهم أحياناً أخرى، لكنهم جميعاً تركوا شيئاً منهم في تكويني، وصاروا جزءاً من ذاكرتي وحياتي.
- وكنت أخطط منذ زمن طويل لإصدار “كتاب” عن هؤلاء الأصدقاء المخلصين الذين رافقوني طوال رحلة العمر، ووُفقت أخيرا في إعداد نسخة مبدئية منه أرجو أن تكتمل قريبا، احتوت حوالى خمسين صديقاً على رأسهم الدكتور أحمد زكي، العالم واستاذ الكيمياء وعضو مجمع اللغة العربية ومؤسس واول رئيس تحرير لمجلة العربي الكويتية في الفترة من 1958 حتى وفاته في عام 1975، وهو الذي فتح لي الباب الذي دخلت منه إلى عالم لا تحده حدود، وغرس فيّ، وأنا طفل صغير، عشق القراءة والكتابة. تقديرا له واعترافا بجميله أرجو أن تسمحوا لي بنشر هذا المقال كنموذج للكتاب!
- كان أبي محمد على السرَّاج (عليه رحمة الله) قد علمني قبل أن أدخل المدرسة، القراءة والكتابة، وكان يشتري لي كل ما يجد من كتب وصحف ومجلات يرى أنها يمكن أن تفيدني. لم أكن أعرف وقتها أن هذه الكتب والمجلات وبقية الجواهر التي كان يضعها بين يدي كانت تبني، بهدوء، شيئاً سيلازمني طوال حياتي.
- على رأس تلك الجواهر مجلة «العربي» الكويتية، التي لم تكن بالنسبة إليّ مجرد مجلة تصل إلى البيت كل شهر. كانت نافذة ضخمة فتحت أمام طفل في الخامسة عالماً لم يكن يعرف أنه موجود. كنت أرى فيها صوراً وبلداناً وحضارات وعلوماً وأفكاراً وأدباً، وأقرأ مقالات لم أكن أفهم بعضها بالكامل، لكنني كنت أشعر أن وراء الكلمات عالماً سحرياً أريد أن أعرفه.
- وكان وراء ذلك العالم رجل اسمه أحمد زكي، واسمه بالكامل (تبجيلا لاسرته) أحمد زكي محمد حسين عاكف الذي وُلد في السويس عام 1894، ثم انتقلت أسرته إلى القاهرة، حيث تلقى تعليمه، ثم التحق بمدرسة المعلمين العليا وتخرج عام 1914وبدأ حياته العملية مدرساً، ثم ناظرا لمدرسة النيل الثانوية بباب اللوق، وفي عام 1919 استقال من وظيفته وسافر إلى إنجلترا لمواصلة دراسته في الكيمياء.
- وهنا تبدأ رحلة العالم: درس في إنجلترا، وحصل على بكالوريوس العلوم من جامعة ليفربول عام 1923، ثم دكتوراه الفلسفة في الكيمياء عام 1924، وواصل أبحاثه في مانشستر ولندن، حتى حصل على درجة الدكتوراه في العلوم D.Sc. عام 1928، وهي من أعلى الدرجات العلمية في ذلك الوقت.
- عاد إلى مصر ليعمل أستاذاً للكيمياء في كلية العلوم، وأصبح أول أستاذ مصري في الكيمياء، ثم تولى عام 1936 إدارة مصلحة الكيمياء، وكان أول مصري يتولى هذا المنصب، وأعاد تنظيم المصلحة وطورها حتى أصبحت مؤسسة علمية تخدم المجتمع والصناعة المصرية.
- ولم يتوقف طموحه العلمي عند التدريس والبحث، فكان من اوائل الذين أسهموا في بناء مؤسسات البحث العلمي في مصر، وتولى رئاسة المركز القومي للبحوث لعدة سنوات، كما ترأس الجمعية الكيميائية المصرية نحو ربع قرن، وتولى كذلك عمادة كلية العلوم ورئاسة جامعة القاهرة خلال عامي 1953 و1954، كما شغل لفترة قصيرة منصب وزير الشؤون الاجتماعية.
- لكن كل هذه المناصب لا تفسر وحدها لماذا أصبح أحمد زكي واحداً من الشخصيات التي احتلت مكانة خاصة في الثقافة العربية، فالرجل كان عالماً وأديباً في الوقت نفسه.
- كان عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة منذ عام 1946، وشارك في لجان المصطلحات العلمية، ومنها الكيمياء والطبيعة والجيولوجيا وعلوم الزراعة، وكان يرى أن العلم لا ينبغي أن يبقى حبيس المختبرات والجامعات، وإنما يجب أن يصل إلى الإنسان العادي بلغة يستطيع فهمها والاستمتاع بها.
- وهنا كانت موهبته الكبرى: تبسيط العلم من دون تسطيحه. كان يستطيع أن يتحدث عن الكيمياء والطبيعة والإنسان والكون بلغة عربية جميلة، دقيقة ومفهومة في الوقت نفسه، ولذلك وصفه المفكر والمؤرخ والكاتب الدكتور أحمد أمين، عند استقباله عضواً في مجمع اللغة العربية، بأنه «كيميائي عظيم وأديب كبير».
- لم يكن أحمد زكي عالماً يكتب الأدب على الهامش، كان أديباً وكاتباً ومترجماً أيضاً. كتب وترجم في الأدب والعلم، ومن كتبه «سلطة علمية» و«بين المسموع والمقروء» و«بواتق وأنابيق»، كما ترجم أو عرَّب أعمالاً أدبية مثل «جان دارك» و«مرجريت أو غادة الكاميليا». وامتد اهتمامه بالكتابة إلى مجلات الثقافة والأدب، وكان من أبرزها «الرسالة».
- وهكذا أصبح أحمد زكي نموذجاً نادراً للمثقف الموسوعي: عالم في المختبر، وأديب في المكتب، وصحفي على صفحات المجلات، ومترجم، وعضو في مجمع اللغة، ومؤسس لمؤسسات علمية.
- لكن أجمل فصل في حكايته (بالنسبة لي) بدأ عندما وصل إلى الكويت في عام 1958 بدعوة من حكومة الكويت للمساعدة في إنشاء مجلة ثقافية عربية، وتم اختياره رئيساً لتحرير المشروع. لم تكن المجلة قد ولدت بعد، ولا كان لها اسم أو شكل نهائي. كان المطلوب أن تكون مجلة عربية تجمع ولا تفرِّق، وتقدم الثقافة والمعرفة للقارئ العربي في كل مكان، وهكذا ولدت «العربي».
- صدر العدد الاول في ديسمبر 1958، وتولى أحمد زكي رئاسة تحريرها نحو سبعة عشر عاماً، حتى وفاته عام 1975. وخلال تلك السنوات تحولت المجلة إلى واحدة من أهم المنابر الثقافية العربية، وشارك في تحريرها كبار الكتاب والمفكرين والعلماء، وأصبحت جسراً ثقافياً بين أقطار الوطن العربي.
- لم يكن أحمد زكي يكتفي بوضع اسمه على غلاف المجلة، كان يكتب فيها بنفسه، بل إن العدد الواحد كان يحمل أكثر من مقال له في موضوعات مختلفة، وفي أحد أعداد «العربي» عام 1975، مثلاً، نجد له مقالاً بعنوان «مكيافلي»، ومقالاً علمياً عن التنفس في الإنسان والحيوان. وهذا يلخص الرجل بصورة مذهلة: في صفحة يتحدث عن مكيافلي والسياسة والفكر، وفي الصفحة الأخرى ينتقل إلى التنفس في الإنسان والحيوان، أي عقل يستطيع أن يجمع كل ذلك؟!
- ولم تكن عظمة أحمد زكي في أنه أسس مجلة ناجحة فحسب، وإنما في الأسلوب الذي صنع به شخصية «العربي». كان يكتب للقارئ العربي العادي، لكنه لم يعامله باعتباره قارئاً بسيطاً. كان يحترم عقله، ويقدم له أصعب الموضوعات بلغة سهلة وجميلة، من دون أن يفرغها من مضمونها العلمي أو الثقافي.
- كان يستطيع أن يأخذ موضوعاً في الكيمياء أو الفيزياء أو الفلك، فيجعله قريباً من القارئ، كما يستطيع أن ينتقل إلى الأدب والتاريخ والفلسفة والجغرافيا بالسهولة نفسها، وكان هذا التنوع أحد أسرار سحر «العربي».
- ولم يكن أحمد زكي يكتب ليقول للقارئ: أنا عالم وأنت لا تعرف، بل كان يقول له، بصورة غير مباشرة: تعال، سأريك شيئاً جميلاً لم تره من قبل، وهذه هي قيمة الكتابة الحقيقية في رأيي: أن تجعل المعرفة متعة، وأن تجعل القارئ يريد أن يعرف المزيد.
- ولذلك كانت «العربي» بالنسبة لأجيال كاملة مدرسة ثقافية غير معلنة، كثيرون تعلموا منها أسماء البلدان وجغرافيتها ومجتمعاتها وثقافاتها، وتعرفوا من صفحاتها على العلماء والأدباء والفنانين، واكتشفوا من خلالها عَالماً أكبر من حدود المدرسة والحي والمدينة، وأنا واحد من هؤلاء، بل ربما كنت مِن أصغر تلاميذ هذه المدرسة، فقد دخلتها وأنا في الخامسة من عمري، من دون أن أعرف أن الرجل الذي يقف خلف صفحاتها سيترك في داخلي أثراً لا يمحوه الزمن.
- كان أحمد زكي يكتب وكأنه يجلس إلى قارئ واحد، لا إلى ملايين القراء، وهذه القدرة على مخاطبة القارئ مباشرة، مع الجمع بين دقة العالم وجمال الأديب ووضوح الصحفي، هي التي جعلت صوته مختلفاً، وجعلت «العربي» غرامي الأول بالقراءة والمعرفة.
- ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني، بعد كل هذه السنوات، أعود إلى أحمد زكي لا لأكتب عن عالم وأديب مصري كبير مات قبل نصف قرن، وإنما لأكتب عن صديق قديم لم ألتقه.
- صديق علمني وأنا طفل أن العالم أكبر من الحي الذي أعيش فيه، وأن المعرفة لا حدود لها، وأن القلم يمكن أن يكون مختبراً، وأن المختبر يمكن أن يكون أدباً، وأن الثقافة الحقيقية لا تعترف بالحواجز بين العلم والأدب والفن والفكر. ذلك هو أحمد زكي الذي عرفته وأنا طفل صغير فتح أول عدد من «العربي»، وبدأ، من دون أن يعرف، رحلته الطويلة مع القراءة والكتابة.
- لم يكن أحمد زكي يعرف أن طفلاً في الخامسة كان يتلقى رسالته كل شهر، وأن هذا الطفل سيحمل تلك الرسالة معه طوال حياته، لكنه فعل.
- وأنا، بعد كل هذه السنوات، لا أملك إلا أن أقول له: شكراً يا دكتور أحمد زكي، لقد كنتَ أول من فتح لي عالم الفكر والمتعة، وكنتَ، من حيث لا تدري، غرامي الأول بالقراءة والكتابة.
(من كتاب: أصدقاء لم ألتقِ بهم)
زهير السرَّاج
