بقلم مرتضى القسم عوض الكريم بشير
ويسألونك عن عبادة الأصنام الحديثة. فأقول: ليست تلك التي عُبدت باكراً من حجر وخشب، بل هي أصنام القرن الحادي والعشرين… أصنام تلبس البدلة، وتتكلم بلغة التقدم والحداثة، وتُسجد لها العقول قبل الجباه.
1. تحالف الأصنام ومصالحها
تتضامن الأصنام وتتآزر، وتتكالب لتقود المجتمع إلى الوراء، راسمةً التخلف والتراجع، حفاظاً على مصالحها، وإسكاتاً لكل من رماها بحجر، أو أبى أن يسجد لها وينبطح على أعتابها.
من رفض الخضوع ابتُلي بالوحدة، ومن قال “لا” حُورب من كل جهة، وقُطعت أرزاقه، وبُدّع وزُنّدق وكُفّر. لا لذنب، إلا لأنه حرٌّ يتنفس الحرية، وأبيٌّ يعشق الكرامة.
مهما تلونت الأصنام وتعددت مسمياتها، فهي “ملة واحدة”. فصنم السلطة قريب صنم المال، وصنم الطائفة نسيب صنم الإقليم. يجمعهم طمع واحد، وتوحدهم غاية واحدة:
تجهيل الجماهير، وتطويعها، وتحويلها إلى قطيع يهتف ويطيع.
وهنا أتذكر “س” ذلك المسكين. إذا رأى رئيسه صار حاضراً بجسده غائباً بعقله، لا يسمع ولا يرى، يضحك بلا نكتة، ويخدم بلا أجر. ندالة منقطعة النظير. تلك هي العبودية في أبهى حللها، والمذلة في أرقى صورها. وأنا لا أسمي، غفر الله لنا وله، ولكم الحكم والتحليل.
2. كهنة الأصنام الجدد
لكل صنم كهنة، ولكل معبد سدنة. قومٌ يوقدون البخور، ويتلون التعاويذ، ويقدمون القرابين، ويصطادون في الماء العكر. يتاجرون بالفضيلة، ويتغنون بالمكارم، وهم عنها أبعد الناس.
منهم العاجز الذي ضاق به طريق المجد، فاختار طريق الذل. باع ضميره بمنصب، ورمى بكرامته في سوق النفاق، ليشتري بها حظوة زائفة وشهرة كاذبة.
ومنهم المتعلم الذي رأى الجاهل في المقدمة، والوضيع في الصدارة. فبدل أن يكسر الصنم، قرر أن يعبده. أيقن أن في أرض الخرافة لا يرتفع إلا المهرج، ولا يُسمع إلا صوت البوق.
فصار من شروط البقاء: حضور الطقوس، وإشعال الشموع، والنفخ في الأبواق، والتصفيق مع المُصفقين.
3. سحر الصنم وأتباعه
إذا أجاد الصنم اللعب على أوتار العواطف، وأتقن فنون البهلوانية، وقدّم للناس الأوهام في ثوب المعجزات، التفّ حوله القطيع.
حينها لا قانون يردعه، ولا خلق يوقفه. يوزع الألقاب على الموالين، ويغدق المنح على المطبلين، ويقصي كل صوت حرٍ نبيل.
4. لماذا نعبد الأصنام؟
نعبدها لأن الواقع مُرّ، ولأن الفقر كسرنا، ولأن الخوف أتعبنا. نعبدها بحثاً عن توازن زائف بين حلمنا وواقعنا البائس.
فنرى من يمسح “الجوخ” للمسؤول، ومن يقدس المدير، ومن ينبهر بالأجنبي. نرى الضحكة الصفراء، والكرم المزيف، والوجه الأبيض الذي نركع له.
تلكم هي عبادة الأصنام الحديثة.
murtadaasgad@gmail.com
