بقلم الريح علي الريح
قريبا او بعد حين سوف تصمت المدافع وتنقطع المسيرات ويبدا تاريخ جديد. لا يبدأ الزمن الجديد بهدوء بقدر ما يبدأ الحساب والعقاب والعدالة. حسابُ يشرح الصدور ويبرئ المواجع لن يكون هناك افلات من العقاب. وحساب المستقبل الذى لا ينتظر المتلكئين والكسلانين اشد باسا. وتبدا المعركة الكبرة معركة الهدم والبنا والاصلاح لان فترة النظام البائد كانت طويلة ومؤسساته اصبحت عميقة لذلك تحتاج الى ازالة جذور.
امس واليوم وغدا.. وبينما نرقب اللحظة التى تضع فيها الحرب أوزارها.. لا يجب أن يكون شاغلنا «ترميم ما تهدم» فقط، بل «بناء ما يمنع الهدم مجددا». اي بناء الدولة المدنية الديمقراطية ويبدا ذلك ببناء الثقة بين ابناء الشعب الواحد ونبذ خطاب الكراهية وبناء حكم محلي منتخب من القواعد ومعه بنية تحتية مملوكة للقطاع العام وتفكيك التمكين في كافة اشكاله وكل ذلك يتم بالعمل الجاد والمنظم والمرتب لا بالصراخ والزغاريد والهاشتاق.
من هنا تصبح قضية اصلاح الاجهزة الامنية والعسكرية القضية المركزية التى يجب أن تطرح على طاولة الوعى الوطنى قبل طاولات السياسة، وهى ضرورية وحتمية بمعنى وجود منظومة أمن سودانى فاعلة وحقيقية وليست قميئة تحفظ النظام الديكتاتوري وانما مؤسسة وطنية وفقا للدستور تحترم المواطن وترعى حقوق الانسان. وهذا لا يتم الا بحل جهاز الامن الحالي وتكوين جهاز جديد.
وهذا ما تؤكده عصارة النظريات الامنية الحديثة التي تقول أن بناء الدولة وتحصينها من الداخل هو أمر ضروري جدا لحماية الدول من التهديدات مثل بناء اقتصاد جيد وأيجاد هوية جامعة، فالاقتصاد الضعيف يجعل الدول منقادة وعدم وجود هوية جامعة يجعل الدول عرضة للتدخلات الاجنبية. وبالتالي فإن الأمن ينبغي أن يعمل علي خدمة قضايا مثل بناء الاقتصاد الوطني والحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعي وليس العكس ( نهب الموارد الاقتصادية وإثارة النعرات الجهوية والقبلية).
الجدير بالذكر ان الحرب الأخيرة كشفت وبشكل لا يدع مجالًا للشك، أن الدولة الامنية وسياسة تكميم الافواه والتدخل في شئون الاخرين وهيئات العمليات والخاصة وهمٌ يتبخر عند أول طلقة، وأن القوى الإقليمية والدولية لا تتحرك إلا بميزان مصالحها هى فقط ولا تتحرك لانتهاكات الانسان والحيوان.
الحقيقة العارية التى تأكدت هى أنه إذا تضرر أمن منطقة، لن ينقذها إلا أهلها. لا المظلات الأجنبية منحتنا استقرارا ولا المبادرات الرباعية والخماسية اوقفت النار ولا المدافع والمدرعات جلبت لنا انتصارا، ولا الرهانات الخارجية أوقفت نزيفا. ولا حمدوك بعلاقاته الدولية المزعومة صنع شيئا يذكر. الخلاص محلي أولا ليس اجنبيا ولا عسكريا.
هذا الطرح الذى نتبناه اليوم، ونصر عليه كخيار حياة أو موت، ليس وليد انفعال عابر أو نتيجة لضغوط اللحظة. فالدور الوطني يلزمنا بذلك، وفى القلب منها أمن النظام الوطني المدني الديمقراطي الذي ننشده، لذا هو عقيدة ثابتة فى دفاترنا السياسة للثورة السودانية. رؤية تمتد جذورها بوضوح إلى يناير 1956 حين نادت الاغلبية عقب الاستقلال بضرورة التحرير الاقتصادي مع التحرير السياسي وان نمتلك قرارنا ومصيرنا.
لم يتوقف النداء لاصلاح الاجهزة الامنية والعسكرية بل يتجدد بقوة وإلحاح منذ يونيو 1989، حين طالب العالم اجمع باغلاق بيوت الاشباح واطلاق سراح المعتقلين واصبح امرا يتجدد كلما تحرك شعبنا.
كانت دعوة الكثيرين قبل 30 يونيو 1989، ولا تزال حتى اليوم، هى أن تجتمع كلمة السودانيين وقوتهم على قلب رجل واحد في مؤتمر دستوري جامع يقرر كيف يحكم السودان والى اين يمضي. ويتم تقديم هذه الرؤية ليس دفاعا عن حدود جغرافية فحسب بل عن «الوجود السوداني» المستهدف فى ثرواته ومقدرات شعبه وسيادة أراضيه كما شهدنا بذلك منذ الاستقلال وحتى اليوم مع الحرب. وذلك لايتم الا بالاتفاق السياسى وتحت مظلة الحكم المدني، ومنه اعادة الهيكلة للقوى العسكرية والامنية بوضوح ليس لها مليشيات وكتائب ظل وامن شعبي، والهدف من قيامها محدد بالدستور وليس تحت اهواء احد او رغبات تنظيمية وايديولوجية او طائفية.
هذه الخطوط العريضة للأمن القومى السودانى لم تعد تحتمل «رفاهية التأجيل» ولا تملك الشعوب السودانية ترف انتظار توافقات قد تأتى أو لا تأتي. وعليه أى اختلاف فى وجهات النظر بين القوى السياسية والقبلية والطائفية يجب أن يظل فى إطار «الاختلاف» الذى يعزز الرؤية لا أن يتحول إلى «خلاف» يمزق الجبهة الوطنية ويفتت وحدة قوى الثو.
لان الامن هو عبارة عن خدمة تصمم وتقدم وفقاً لإحتياجات متلقي الخدمة وهم في هذه الحالة ثلاثة عناصر : ( المواطن – المجتمع – الدولة)، والحفاظ على التوازن بين مصالح واحتياجات هذه العناصر الثلاث هو عامل اساسي لنجاح عمل المؤسسات الامنية بصورة منظمة ومرتبة. واكدت الحرب اننا فى منطقة تربطها جغرافيا واحدة، وتاريخ واحد، ومصير يتربص بالجميع؛ فكيف لا تجمعنا جبهة نضالية واحدة؟!
نؤكد فى كل حين ومناسبة دون خجل وخوف، وبنبرة الواثق لا المستجدى، أن استقرار السودان وامنه استقرار للمنطقة بأسرها. امنا لا يصنعه الضعف، ولا تحميه النوايا الحسنة وحدها، ولا يحمي حي كافوري ومزرعة علي عثمان وابل نافع وقصر الجاز. وانما جهاز يحرس مقدرات ومكتسبات الشعب السوداني.
عند هدوء المدافع والمسيرات يجب أن يتبم فورا «وحدة قوى ديسمبر المجيدة اصحاب المصلحة الحقيقين في التغيير» وحدة تستوعب درس الحرب القاسى، وتدرك حساسية الموقف الراهن، وتضع حدا نهائيا لأطماع الطامعين ممن يرون فى تفرقنا فرصة لنهب ثرواتنا وصناعة المزيد من الفرقة.
الشعب السوداني كعادته، بقلبه الكبير وعقله الراجح يستوعب طموح الجميع ويسانده.. ويفتح أبوابه لكل مبادرة ترفع من شأن الإنسان السوداني.. لكنه، وفى الوقت نفسه، يقف سدا منيعا ضد أى جنوح يضر بمصالح المنطقة، ويرفض تماما المتاجرة بالشعارات الجوفاء التى لا تسمن ولا تغنى من جوع أو تؤمن من خوف. وثورة ديسمبر لم تبيع الوهم، ولم تشترى الولاءات، بل رفضت «شراكة الدم والقحت».
رسالة الثورة السودانية واضحة لا لبس فيها حرية سلام وعدالة مدنية خيار الشعب. وتظل الخرطوم دائما وأبدا نورا للسلام يبدد ظلمات الصراعات لمن أراد الاستقرار والتعمير. لكنها فى الوقت ذاته ستكون نارا تحرق كل من تسول له نفسه المساس بأمن هذه البلاد أو العبث بمقدرات أهلها.
اليوم التالى للحرب لن يكون مجرد تاريخ، بل «اختبار إرادة» فإما أن نكون قوة يحترمها العالم، أو نظل ساحة لصراعات الآخرين وتصفية الحسابات وتمزيق القارة.
إن المدخل لاصلاح المؤسسات الامنية يمر عبر كسر شبكة المصالح الاقتصادية والسياسية بين السياسيين وقادة المؤسسات الامنية والمرتبطة بمراكز قوى دولية وأقليمية تعمل على الوقوف في وجه التحول الديمقراطي الحقيقي الذي ينتج سلطة تعبر عن مصالح الطبقات الاجتماعية الفقيرة والتي تمثل السواد الأعظم من الشعب السوداني.
بناء على ما ذكر اعلاه فإن عملية اصلاح المؤسسات الامنية هي عملية يقودها المدنيون في المقام الأول ويساعد فيها العسكريون بتصميم الامور الاجرائية والعملياتية وفقاً لرغبة المدنيين.
والخيار لنا.. إن أدركنا أن القوة فى الجماعة.. والأمن فى الوطن السودان. وان قوة النظام المدني الديمقراطي وحكم القانون يجب ان تكون فوق كل قوة على وجه البلاد.
elryahali@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم