أضواء على تاريخ السودان الدستوري: 1948-2005م (3) .. بقلم: د. عبدالحميد كاشا
27 أبريل, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
68 زيارة
(27/4/2015م)
توقفنا فى مقالنا الثاني عن القامات السياسية الراحلة المقيمة من السودانين الذين شاركوا فى اللجان التى جاءت بتوصيات أفضت إلي سن قانون بموجبه تم إنشاء الجمعية التشريعية والمجلس التنفيذى لعام 1948م، و التى تمخضت عن مؤتمر إدارة السودان المنعقد في العام 1946م . ومعظم ما جاء في مواد القانون كانت السلطة العليا و القول الفصل للحاكم العام ، ولكن نقول( أن العافية درجات ). ولما كان قانون 1946م لا يلبي رغبات وطموحات السودانيين في مشاركتهم العادلة والفاعلة في مؤسستى المجلس التنفيذى و الجمعية التشريعية، وحتي يتسنى لهم رقابة تشريعية و مشاركة تنفيذية عادلة لاصلاح بلدهم وإنقاذه ، و بعضوية تكون غالبيتها من السودانيين بإعتبارهم أصحاب المصلحة الحقيقية في إدارة شئونهم ……. وبناءاً علي هذه الرغبة ما كان من الحاكم العام إلا الاستجابة الفورية لهذه المطالب ، ومن ثم تم تشكيل لجنة تعديل الدستور لسنة 1951م و التي جاء تشكيلها بنسبة 80% من السودانيين و 20% من الانجليز و كان عددها خمسة عشر عضواً.
قابلت هذه اللجنة تحديات جسام في بعض القضايا الاساسية عن مستقبل السودان و تمتع شعبه بالحرية و الكرامة وكسر قيد المستعمر و في هذا برزت عدة آراء ، الأمر الذى أدى إلي إستقالة عدد مقدر من عضوية اللجنة من السودانيين. و بعد هذا الموقف الوطني الشجاع تم الوصول إلي صيغة توافقية فيما يتعلق بصياغة دستور يكفل للسودانيين حق المشاركة في إدارة حكم بلادهم وإن لم يكن بصورة متكاملة لكنه يعتبر خطوة للامام في ظل حكم وسيطرة المستعمر البغيض، فطريق الحرية شاق ووعر وليس مفروشاً بالورود و يتطلب الصبر والتضحيات الجسام. حين ذكرت في المقال الأول إن فترة ما قبل العام 1953م ينبغى ألاً يتم إغفالها لانها إحتوت على قوانين صدرت و تطورات تاريخية لابد من تتبعها، وابناء وطن خلص رحلوا عن هذه الدنيا الفانية و ساهموا بفكرهم وجهدهم ونضالهم نحو السير في طريق الحرية والاستقلال، ونحن حين نستعرض هذه التطورات و نهتم بها قصدنا منها تعميم الفائدة لاجيالنا وشبابنا للوقوف علي نضالات رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. فكان لهم ما أرادوا من بداية لتغيير يبشر بإستقلال و مسيرة نحو بناء وطن حر، مع ضرورة توفير الخدمات للريف والحضر ومحو آثار المستعمر وذلك بسيطرة السودانيين علي مفاصل الدولة السياسية والاقتصادية و التنموية و الاجتماعية والامنية كانت هذه هي رؤية النخب التي شاركت في وضع بعض القوانيين و الدساتير التي سبقت الاستقلال، وكانت بالتدرج لان التغيير الشامل والبلاد تحت قبضة الاستعمار لن يتم بين عشية وضحاها مالم توضع الإستراتيجية لبلوغ و تحقيق الأهداف المنشودة و بالنفس الطويل.إن الإستعمار وهو يرصد سير الأوضاع وتطلعات السودانيين وإصرارهم علي إحداث التغيير بدأ يتعامل بواقعية مع هذه التطورات ولأنه أحس بقدرة وكفاءة نخبهم التي تقود هذه المواقف وبارادة حقيقة لإجراء الاصلاح اللازم لبلد أصابها الدمار و الخراب وإستغلال بشع لمواردها الطبيعية وثرواتها بسبب تعاقب النظم الفاسدة في مسيرة الحكم الاستعمارى.
ذكرت في الفقرات السابقة تقديم عدد من أعضاء لجنة تعديل الدستور لسنة 1951م إستقالاتهم بسبب خلافات نشبت بين أعضاء اللجنة السودانيين و الإنجليز، ولا شك في أن أعضاء اللجنة من الإنجليز يعملون وفق مصلحة بلادهم وتحت توجيهات وإمرة الحاكم العام و أن عضوية اللجنة من السودانيين يهمهم وضع ومستقبل ومصير السودان الدولي خلال فترة ما بعد تعديل الدستور لسنة 1951م، وكان على رأس المستقيلين المحامى الأستاذ محمد احمد محجوب و بالرغم من حل اللجنة الاً أن التوصيات رأت ضرورة إيجاد دستور يلبي رغبات شعب السودان في المشاركة في حكم بلادهم باجهزة برلمانية تعني بالتشريع و الرقابة و جهاز تنفيذى لادارة الدولة، وكان للنخب من قياداتنا التاريخية السابقة هذه المواقف الصلبة و التفكير الإستراتيجي الناعم لتحقيق أهدافهم الوطنية المتمثلة في الحرية و الكرامة و الإستقلال.
في تقديرى أن التحول و التطور الذى حدث وفق ما جاء في توصيات لجنة تعديل دستور سنة 1951م كانت خطوة هامة في تاريخ السودان الدستوري كما سيتضح لنا لاحقاً من خلال هذا الاستعراض و الاستقراء وفق ما هو متاح إلينا من مراجع من مهتمين بأمر البحث و مفكرين وكتاب وفقهاء القانون الذين أدلوا بدلوههم في كثير من القضايا التي تهم الوطن ماضياً وحاضراً و مستقبلاً. وهذا يقودني إلي الحوار الذى أجرته صحيفة أول النهار في عددها رقم 32 الصادر في 5/مارس/2015م ص( 3) مع الأخ العالم والمفكر الإستراتيجي البروفيسور عبدالله على إبراهيم و الذى جاءت أفكاره وعباراته مطابقة تماماً لما دعاني للكتابة عن تاريخ السودان الدستوري عبر حكومات متعاقبة على السودان وأنظمة مختلفة منذ الحكم الثنائي (الإنجليزي- المصرى). وذكر البروف في حواره : حين سئل عن رؤيته في إعادة كتابة تاريخ السودان ما يلي ( ضرورة أن تسترد الجامعات وشعبها للتاريخ و العلوم الإجتماعية منزلتها في تعليم التاريخ و بحثه وأرشفته هذه هي الأميات وما عادها فروع ويري البروف أن مراكز البحوث و الدراسات التاريخية التوثيقية وفرت للاجيال القادمة من بعد السابقة مؤلفات عديدة ….وذكر البروف أن لا أحد يهتم بالتاريخ بل وربما لا أحد يرغب في التاريخ . فاكثرنا يكسب من إنحلاله) إنتهي حديثه.
نحن شعب خزينته ملأى بالعلماء والخبراء والمفكرين من الساسة ولدينا موروثات ثقافية وإجتماعية و سياسية حبيسة الادراج آن الأوان لنفض الغبار عنها و لنجعل منها مادة ومرجع تذكرنا بعظمة تاريخ السودان و مناضليه الذين سنذكر سيرتهم الذاتية في خاتمة هذه المقالات…..
بعد تتبعنا لتاريخ السودان الدستوري حتي لجنة تعديل الدستور لسنة 1951م بدأت الأحداث تتلاحق و تتطور و الوعي يزداد و حركات النضال تنمو في أوساط الساسة والمثقفين السودانيين و المستعمر بدأ يرتجف ويفقد البوصلة……………….نواصل
kashapeacecenter@gmail.com