أغنية الملكة النوبية تثير ذكرى فيلكس دارفور !! .. بقلم: محمد السيد علي
3 أغسطس, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
49 زيارة
ربما لم يرد في خلد الفنان الهايتي (واي كليف) وهو يهدي أغنيته (الملكة النوبية) التي صاغ كلماتها وأهداها للثورة السودانية ، أنّ هناك ثمة علاقة بين بلده (هايتي) وأحد أبناء ذلك البلد الذي أهداه تلك الأغنية ، إن ذلك الإبن هو (فيلكس دارفور) وفي تفاصيل قصته شيء أقرب للدراما أو ربما الخيال . لقد جرى إختطافه من بلدته في دارفور وتهريبه ضمن أخرين في رحلة شاقة ومرهقة عبر درب الأربعين إلى مصر يوم كانت خاضعة للإحتلال الفرنسي فيما بين (1798 – 1801) وعند وصوله هناك رأفت به الأقدار ودفعته لكي يعمل تحت سيده الكولونيل الفرنسي ذو الأصل الكاريبي (أردوان) الذي تقول أرجح الروايات أنه تعاطف معه وآزره في محنته . لم يكن (فيلكس) بالطبع هو إسمه الحقيقي ، لكنه كان الإسم الذي خلعه عليه الفرنسيون فيما لازمه إسم (دارفور) كقدر أبدي ليذكّره بأصله ومنبته . عقب خروج الفرنسيين من مصر إنتقل (فيلكس) مع (أردوان) إلى فرنسا . هناك إستطاع (فيلكس) أن يتجاوز محنته وأن يتسلح بالعلم والمعرفة فدرس القانون والهندسة وخاض غمار العمل الصحفي والإعلامي وبرز في ذلك المجال وعاصر العديد من مفكري الثورة الفرنسية ، وكانت له العديد من المساهمات الثقافية ، إلا أنه للأسف تم تجاهل الكثير من أعماله بل أنّ تفاصيل سيرته نفسها لم يرشح منها إلا القليل .
مع أن الكتاب والمثقفين كانوا منبهرين يومها بالثورة الفرنسية إلا أن قلبه لم يكن أبدا مع فرنسا ، فقد أدرك ورأى بعينيه حجم الجحيم الذي يعانيه ذوي البشرة السوداء في تلك البلاد ومع إندلاع ثورة الزنج في لؤلؤة الأنتيل (هايتي) في العام 1804 ، أخذت تلك الثورة بأحاسيسه ووجدانه فكان ان شد الرحال إلى هايتي في العام 1818م وهناك إستثمر موهبته الثقافية وخبرته الصحفية في مجال العمل الصحفي والإعلامي مدفوعا بتطلعاته وطموحاته في نقل أفكاره الثورية عن معاني الحرية إلى شعب الجزيرة المتنسم لتوه عبير الإنعتاق من ربقة العبودية ، فأصدر صحيفة (المستنير الهايتي) التي سميت فيما بعد بـ (المواطن الصالح) فكان أن ذاع صيته ونال جنسية هايتي بعد عام من وصوله هناك . مع أن الثورة في هايتي نجحت في أن تجعل من هايتي جزيرة محررة إلا أن الإستعمار وعبر بقاياه كان لا يزال يعمل عبر عملائه على ترصد مناصري الثورة وناشري الوعي السياسي والثوري بين الجماهير فجرى الإيقاع به بجريرة معارضة الإنتخابات المزورة التي جرت يومها هناك وتمت محاكمته محاكمة صورية وأعدم رميا بالرصاص عام 1822 ، قبل أن يستطيع أن يقدم دفوعاته في الإستئناف ضد الحكم ، ليخلد شهيدا في تلك الجزيرة النائية .
قلت ربما لم يخطر على بال (واي كليف) وهو يكتب أغنيته (الملكة النوبية) هذا الخاطر ، غير ما أن ما هو جدير بالتقدير أنها كانت أول أغنية يهديها مغني معروف إلى الثورة السودانية ليمنحها بذلك بعدا عالميا . الأغنية كلماتها رائعة ، لحنها بسيطة وإيقاعها دافيء فيها نفس من إيقاعات الريقي وصدى الطبول الأفريقية . هاهنا بعض كلماتها : مرحبا إلى مملكة كوش .. إنهضي يا كنداكة .. اليوم وقد زرعت بذور الأمل .. حتى الصخر لن يعوق طريقنا .. الآن وقد تحدثت بلاد النوبة .. رأيت الأعمى صار بصيرا .. وسمعت الأصمّ ينطق .. بلاد النوبة تتحدث .. كوش حرة من جديد . يالها من كلمات معبرة . لم ينسى (واي كليف) وهو يقدم أغنيته من الأستوديو أن يضع صورة مثله الأعلى في الريقي (بوب مارلي) بالقرب منه وهو الذي طالما غني لقضايا الحرية والثورة والكفاح من أجل حقوق الإنسان . لقد كتب واي كليف في تويتر معبرا عن ذاته في الغناء : (لقد كنت أرى دائما بأن الموسيقى هي السبيل الوحيد الذي أستطيع أن أعبر به عن نفسي) وقد أحسن في ذلك فالموسيقى هي اللغة الوحيدة التي لا تستعصي على الشعوب فهمها لأنها تخاطب الوجدان .. إذن لتنهض كوش من جديد ولتقل كلمتها للدنيا !
msaidway@gmail.com