أفكار عامة حول النقد السياسي كمدخل للتطور والنهضة(3)

البراق النذير

ومواصلة لما بدأناه، ولمزيد من التوضيح أطرح هنا سؤالاً: هل الكاتب أو الفاعل السياسي “برئ” في سعيه لصياغة ووضع طرح ما؟ أم لديه مصلحة أو مجموعة مصالح محددة مما كتب ويكتب أو قال ويقول؟
الحقيقة أن الكاتب والفاعل السياسي، أي كاتب وأي فاعل سياسي، ليس بريئاً على الإطلاق، لا كاتب هذا المقال ولا أي كاتب أو فاعل سياسي آخر، فحتى الكاتب أو الفاعل السياسي الذي يصرّح بأنه “باحث عن الحقيقة” أو يكتب “لوجه الله وللتاريخ”هو متهم محتمل بارتكاب جناية، ويمكن أن يسميه البعض (متلقّي حجج)! وينسحب هذا الأمر على الإعلامي في منصته الإعلامية، المفكر في منتدى أو في لقاء إعلامي، والمجموعة السياسية في بياناتها، المحاضر أو الأكاديمي في الجامعة، وكذلك الواعظ والإمام في المسجد وغيرهم ممن يضعون أطروحات في المجال السياسي العام.
لا أحد برئ في طرحه، والجميع يضع طرحه لغرض محدد يخدم هذا الطرح، ويصيغ ويضع المصطلحات والمقولات خلال هذا الطرح، بالطريقة التي تصله بغرضه، ولكن تبقى المعضلة الأساسية هي في كيفية تلقي المتلقي لهذا الطرح، وهل فهم كل مصطلح ضمن هذا الطرح بالمعنى المقصود منه، وهل علم/يعلم المتلقي غرض صاحب الطرح من إيراده لهذا المصطلح أو ذاك في سياق محدد؟ وهل يقبل أن يدعمه في الوصول لغرضه بعد أن يستوعب الطرح ومصطلحاته وعباراته؟ وهل يفعل ذلك ثقة في صاحب الطرح أم لأن الغرض في ظنه مشترك، وأنه بقبوله يخدم مصلحته هو كذلك، أم لأسباب أخرى؟
ثم ما هي درجة الاتفاق في الهدف والغرض ومعنى وماهية مصطلح ما، بين من يصيغون ويضعون مصلحات متطابقة في الحروف وترتيبها وربما في تراكيبها؟
أزمة المصطلحات والوضع في السودان
ويجوز هنا أن نحاول معايرةَ الوضع في السودان وفقاً للطرح أعلاه، فالكاتب يعتقد أن هناك أزمة كبيرة متعلقة بالمصطلحات والعبارات السياسية، وهناك الكثير من الأمثلة والنماذج التي يمكن أن تدعم هذا الاعتقاد، وسأورد بعضها في ثنايا هذا المقال مع ما هو متاح من أسئلة وتحليل ورأي؛ وسأقوم هنا باختبار أحد هذه الأمثلة والنماذج، وهو الدعوةُ إلى (التحوّل المدني الديمقراطي).
ينشغل جزءٌ مقدَّر من المؤهلين ليكونوا قادةَ الركب بهذه الدعوة (التحول المدني الديمقراطي)، ولكن يستعصي على الكثير منهم الإجابة بوضوح على الأسئلة الضروريّة المحيطة به:

  • ما هو التحول المدني الديمقراطي؟
  • ماذا نعني بهذا المصطلح نظرياً وكيف سيتم تطبيقه عملياً؟
  • لماذا تم تركيب هذا المصطلح بهذا الشكل والترتيب (تحول—- مدني—- ديمقراطي) ومن قام بصياغة ووضع هذا المصطلح على هذا النحو؟
  • هل تتفق الجهات والمجموعات الطارحة لهذا المصطلح على معناه (التحول المدني الديمقراطي) وبتركيبته تلك وما يصنعه من صورة ذهنية للمتلقي؟
  • هل علم/يعلم المتلقي غرض من يطرحون هذا المصطلح- على تباينهم- تمام العلم؟
  • من سيقبل الاشتراك مع هؤلاء أو أولئك في تبني هذا المصطلح والدفاع عنه ولماذا؟ وهل من يقبل الاشتراك سيفعل ذلك لثقته في هذه الجهة أو تلك، أم لأن مصلحته تقتضي ذلك؟
  • من هم المتفقون ليس على المصطلح فحسب، بل على الغرض من صياغة هذا المصطلح؟ فنحن في الواقع، قد نجد اتفاقاً على صياغة هذا المصطلح (التحول المدني الديمقراطي) بين مجموعات متباينة، وتقوم هذه المجموعات بترديد هذا المصطلح في إعلامها، وبياناتها، ومقولاتها، ومنتدياتها؛ ولكن تظهر المعضلة ويحدث الاشتباك حين الحديث عن الغرض والوسيلة؟
    والسؤال المهم وعطفاً وتركيزاً على المثال المطروح أعلاه (التحول المدني الديمقراطي): هل حدثت عمليّة النقد والنقد المضاد المنتج للتاريخ والأحداث والممارسات للأفراد أو الجماعات، والتي بمجاميعها، أو ثنائياً، أو بشكل منفرد، صاغت ووضعت هذا المصطلح؟ هل ما نتج من كوارث وأزمات وحروب له صلة بهذا الطرح؟ وإن حدث، فكيف، ولماذا، ومن أي وجهة؟
    وإن حدثت عملية النقد والنقد المضاد، فهل كانت حالة كسب مؤقّت – نشوةٌ لحظيّة- أم عمليّةً حقيقيّة نابعةً من إرادة حقيقيّة للتغيّر والتغيير والتحوّل نحو الأفضل والتعلّم من الدروس والاستفادة من العِبَر؟
    أضع هذا النوع من الأسئلة، للوصول والحصول على إجابات تفصيليّة وواضحة لا إجابات تجريديّة عامة، لن تخدم من وجهة نظري هدف الاختبار الموضوع، ليست إجابات آنية، بل إجابات ذات أثر على طريقة التفكير في الأشياء وفي الأطروحات والمصطلحات السياسية الرائجة. بل ولربما نحتاج فقط في هذا السياق، لأن يحفز مثل هذه الأسئلة الذهن للتفكير في كل طرح من زاوية النقد والنقد المضاد المنتج والمؤدي لزيادة دفقات التفكير النقدي؛ وبهذا يمكن أن يكون مثل هذا النوع من الأفكار المطروحة في هذا المقال، محاولة للمساهمة الجادّة في وضع (مدماك) في بنية التفكير التي تحاول بدورها اكتشاف التحيزات والانتهازية السياسية، خاصة في خضمّ كارثةِ الحرب التي ستحدّد مصير هذه البلاد، ما بين الانتهاء إلى دولة مقسّمة ومفكّكة، وأرضها ومواردها ومقدّراتها وإنسانها عرضةً للنهب من قبل الدول والقوى الكبرى، وما بين الوصول إلى التطوّر والنهضة الوطنية.
    نواصل

السودان

تفكيك_النص

النقدالسياسيكمدخل

عن البراق النذير الوراق

شاهد أيضاً

أفكار عامة حول النقد السياسي كمدخل للتطور والنهضة (5)

البراق النذير أميركا والسعودية.. من الشيطان الأكبر إلى الأخ الأكبر!وكل هذه العملية من المسايرة والدعم …