البراق النذير
خلفية مرجعية
هل يهيمن العقل الأداتي على الفعل السياسي في السودان؟
(يمكن للمجموعة أن تشكل نفسها كجماعة عندما يتم استيعاب التركيبة التحفيزية للأفراد المرتبطين رمزيًا ويتم تنظيمها من خلال نفس المحتوى الدلالي)
يورغن هابرماس (1929-)
هل استعاض جمع من السودانيين عن العقل النقدي بالعقل الأداتي في التعامل مع الظواهر، والأفعال، والخطابات، والنصوص، والأحداث، والكوارث؟ وهل أصبح العقل الأداتي يهيمن على الأطروحات السياسية وتسرّب إلى الفعل السياسي في بلادنا؟
إن أي سلطة بطبيعتها تنحو تلقائياً لتحاول السيطرة على العقل أو مجموعة العقول التي تقع تحت سلطتها أو إدارتها، وتعمل لتحويل هذه المجموعة/ الجماهير/ المواطنين، لعقل أداتي، وهو العقل الذي قادر فقط على:” تثبيت دعائم السلطة وعلاقات القوة والسيادة القائمة في مجتمع معين وكبح أية نزعات إبداعية تلقائية تتجاوز ما هو مألوف”. وهو بشكل حاسم عقل تبريري قبل أن يكون عقلاً مذعناً ومسيطراً عليه.
والعقل الأداتي هو مفهوم فلسفي تم تداوله بين الفلاسفة في عصر التنوير وما بعده، وطوره وانتقده رواد مدرسة فرانكفورت، وجاء المفكر الألماني وعالم الاجتماع هابرماس لينتقد هؤلاء أيضاً على الرغم من أنه أحد منظري هذه المدرسة النقدية، حيث يقول إن هؤلاء تمسكوا بنموذج العقلانية الهادفة (ماكس فيبر)، ولهذا السبب، “لم يوسعوا نقد العقل الأداتي إلى نقد العقل الوظيفي”.
ويقول الدكتور عبد الوهاب المسيري إن العقل الأداتي:” هو العقل الذي يلتزم، على المستوى الشكلي، بالإجراءات دون هدف أو غاية، أي أنه العقل الذي يوظف الوسائل في خدمة الغايات دون تساؤل عن مضمون هذه الغايات وما إذا كانت إنسانية أو معادية للإنسان”.
ويضيف المسيري: “غياب أية أرضية معرفية ثابتة، يمكن أن تستند إليها معايير عامة، يسقط العقل الأداتي تماماً في النسبية المعرفية والأخلاقية والجمالية إذ تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تظهر حالة من اللامعيارية الكاملة”.
ويضيف الدكتور حسام الدين فياض: “يتصف العقل الأداتي لدى هؤلاء بأنه منطق في التفكير وأسلوب في رؤية العالم، أي أن العالم الاجتماعي أصبح له طبيعة ثانية كالطبيعة غير قابل للتغيير ومستقلاً عن أفعالنا”.
العقل الأداتي والسلطة
وينسحب هذا في رأينا على أي من أنواع وأشكال السلطة التي تسعى للهيمنة اللانهائية، تنفيذية كانت أو حزبية أو تنظيم في الحي أو الرئيس في العمل، حيث تحاول هذه السلطات أن تهيمن عبر التحكم في العقل بتحويله لعقل أداتي، لا عقل ناقد/نقدي؛ ويمكن القول إن مسايرة الأفراد والجماعات للسلطات المختلفة دون افتعال نقد ونقد مضاد، ودعمها لهذه السلطات دون فحص وتمحيص لما تقول به مقابل ما تفعله، لهو استجابة لحيلة قديمة تتجدد في كل زمان ومكان، منذ عصور الكهنة والقصص الملحمية في العصور الإغريقية والأساطير الصينية، حيث تبدأ باتفاق في القول وتتحول إلى خديعة في الفعل والممارسة.
وتضع السلطة على الدوام، تبريراً لمثل هذا النوع من الفعل ليس بوصفه مناقضاً للاتفاق وليس بوصفه خديعة، بل بوصفه- في أغلب الأحيان- شأن ظرفي متعلق بأسباب خارجة عن إرادة هذه السلطة المعنية. وحين يذعن الفرد والمجتمع لهذا التبرير، وحين يتكرر هذا الفعل وهذا الإذعان، يصبح الوصول للهدف الذي قام عليه الاتفاق بين هذه السلطة المعنية والأفراد أو الجماعات، التي تعتقد أنها مشتركة مع هذه السلطة في البحث والعمل من أجل هذا الهدف، مجرد حلم، ووهم يجري خلفه الفرد والمجتمع طيلة سيطرة السلطة المعنية، إلى أن تنتبه الجماعات المهيمن عليها، بفعل التغير المادي- غالباً نحو الأسوأ- الذي يحدثه استبداد هذه السلطة كأحد مخرجات محاولتها الاستمرار.
نواصل
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم