أكروبات النظام السوداني .. بقلم: الفاضل عباس محمد علي
مهما يكن من أمر، تسد الآفاق هذه الأيام الدعايات المعادية لمصر، والتى تشكك في طعامها وشرابها وهوائها وسمائها وأرضها، وفى أخلاقيات المهن الطبية بها، بيد أنها لم تحد من تدفق السودانيين نحو قاهرة المعز الذين ما زالوا مستمسكين بأوامر الحق عز وجل: (واهبطوا مصر….)، ذاكرين ومستذكرين ما وصي به الشيخ البرعي عليه رحمة الله: (ياصاح أمنا لي زيارة أمنا مصر المؤمّنة بي أهل الله!). والزوادات التى يأتون محملين بها غالباً ما تذهب في شكل هدايا وبخشيش لنادلي وموظفي الفنادق التي ينزلون بها، كما حدث فى حالتي شخصياً، وهاك يافول من القدرة المصرية التقليدية ويا سندوتشات جاد وحلويات العبد (الأصلي) ويا كشري….وقراصة وكسرة بالمطاعم السودانية، وليكن ما يكون. وينغمس المسافرون فىي الأهداف التى ظعنوا من أجلها: سواء فحوصات وعلاج كما ظلوا يفعلون منذ عشرات السنين، أو تبضع فى العتبة والموسكي والكرداسة وبعضاً من الشوارع المعروفة، أو شيء من الترويح والسياحة (البلدية) وشهر العسل، أو التسلل إلى مقاهي العتبة حيث ينشط السماسرة الذين قد يسهلون لك الهجرة إلي أوروبا (أو في الحقيقة ولوج المغامرات الخطيرة بالبحر المتوسط التى قد تنتهي بك في لجج عاصفة أو في أحشاء السمك)، أو التسلل لما تبقي من المنظمات العالمية حيث يدرج إسمك ضمن قوائم المنتظرين للهجرة، وتقيم بعد ذلك ما أقام عسيب بانتظار الإستجابة العصية والبطيئة من الجهات المأمولة، وهو انتظار يدوم عادة لبضع سنوات تذهب فيها الدراهم المدخرة فى جوف التكة أو الحزام أو المحفضة، وتنضب الموارد، ويحدث الإفلاس والجوع وأم برد والسهراجة ببلد تتعذر فيه مصادر الرزق، وقد بلغ سكانه مائة وعشر مليون نسمة، بهم عشرون مليوناً عاطلون عن العمل. وعندما تسأل أيًا من هؤلاء المساكين لماذا لا يصمد فى وطنه ويناضل من أجل إزالة ذلك النظام الذى فعل به كل هذه الأفاعيل، يقول لك: مع من أناضل؟ حيثما تذهب تجد الإخوان المسلمين قد زرعوا عيونهم وشركاءهمم وعملاءهم، ولقد تحولت البلاد إلي دولة بوليسية مثل العراق أيام صدام حسين، حيث يتجسس الأخ على أخيه، وحيث يتدثر النظام بجندرمة مسلحة غليظة شديدة تفعل ما تؤمر، كالحرس الوطني الصدامي وكالحرس الثوري الإيراني؛ وبينما يستصلح ويستزرع المستثمرون الأجانب الفيافي السودانية من حولك، يستنكفون عن تشغيلك معهم ويجلبون العمالة الآسيوية من أقاصي الأرض. ولقد جفت الحياة بأقاليم السودان المختلفة لانعدام مصادر الرزق وبوار الزراعة وفشلها، ولانعدام الخدمات من تعليم وصحة، ويمم القرويون السودانيون وجوههم شطر العاصمة المثلثة، وتكدسوا بأكواخ الكرتون في أطرافها كالفئران الهائمة حول القمامات، فلا أقل من أن يضربوا فى الأرض ويبتغوا من فضل الله، عملاً بقول الحاردلو: (انبهم بي الراي….والدليل يا ناس النجوع). وأول وأقرب محطة في أرض الله الواسعة هي مصر، ومنها إلي الحدود الشرقية الشمالية (الإسرائلية)، أو غرباً إلي ليبيا أو شمالا عبر بحر الروم.
لا توجد تعليقات
