عادل إسماعيل
نشرت العديد من المواقع ما قيل إنه عبارات أطلقتها الدكتورة أماني الطويل الباحثة المصرية المهتمة جدا بالوضع في السودان . و جاء ذلك في جلسة مغلقة في دولة الإمارات العربية المتحدة من سبع إمارات ، حيث أرجعت الأزمة السودانية إلى طبيعة المجتمع السوداني الذي غلبت عليه زنجيته مما يفسر سلوكه البدائي فصار بذلك عبئا على المنطقة و في مقدمتها مصر بلد الدكتورة أماني الطؤيل .
في حقيقة الأمر ، هذا الحديث مثله مثل إي حديث عنصري تافه لا يستحق الرد عليه في هذا الزمان الذي حاضر فيه أوباما ، الذي غلبت عليه زنجيته ، في جامعة بلد السيدة الباحثة ، عن من قتل نفسا بغير حق كأنما قتل الناس جميعا . و حاضر فيه الزنجي مانديلا العالم عن المسامحة و السلام . و نال فيه الزنجي فيليب إيماقوالي جائزة نوبل الكمبيوتر التي اسمها قوردون بيل كما تعلمون . و شرح فيه الزنجي نيل تايسون مصير الكواكب و هي تدور حول الشمس .
كما لا يستغرب المرء عدم حساسية الباحثة و هي تتحدث عن السلوك البدائي لمستمعيها من أبناء عرس الدم و يوم الوهيلة . فذلك التنطع و تلك الجلافة معهودة عند معظم النخبة المصرية ، فقد جاء عن الرئيس المصري أن أموال الخليج زي الزر بما يوحي أن عليهم نوالها . و في حقيقة الأمر ، لا يعدو أن يكون استنكار الدكنورة أماني الطويل ما قالته بنت بلدها ، عن السودانيين و الغوريلات ، سوى طمس لما قالته هي . فبنت البلد الساذجة لم تزد على أن جاهرت أمام أبواب الميديا المفتوحة ما أسرته نخبتها خلف الأبواب المغلقة ..
و لقد سبق للأديب المصري الكبير طه حسين أن أحتفل بوصف النخب المصرية ، منذ ألف عام ، بأنها ثعالب باشمة و لكنه يقول إنها ما تزال على حالها هذا . و بالطبع ، نحن لا نأمن على تلك القسوة مما قاله الأديب الكبير ، لكن استحضار أجواء تلك القصيدة ، يغري في هذا الوضع بذكر الجوعان الذي يأكل من زادك و يمسكك كي يقال إنه مقصود و قدره عظيم .. فقد بنى الوزير المصري إطعام شعبه و رفاهية بلاده على موارد السودان . فما هذا العبء العجيب ؟؟
في حقيقة الأمر ، ظلت لمصر أطماع في السودان منذ زمن طويل ، و هذا لا نراه عيبا . فكل الدول أطماع في كل الدول بغض النظر عن مدى سعار هذه الأطماع . و لكن المزعج في الموضوع أن مصر لا تبدو مكترثة لما يحل بالسودان بمنعزل عن تأمين تدفق الموارد السودانية التي هي مهولة من أي النواحي جئتها ، إليها .. فكل ما يهمها حكومة خاضعة لمطالبها و ملجمة لأصوات شعبها ، و بلغت بها الوقاحة قتل السودانيين داخل أراضيهم التي تعترف بها مصر نفسها بأنها جنوب خط 22!!
و بطبيعة الحال ، نحن ندرك الفروقات “الطبيعية” بين الشعبين الشقيقين و النظم السياسية التي تتولد منها نتيجة لتدافع الشعوب و توقها للحرية و الديمقراطية . و غني عن القول إن مصر لم تشم شميم الحرية و الديمقراطية إلا لماما عبر تاريخ المنطقة الطويل . و ليس في الأمر عجب ، إن هذه اللمام أجمعها ذات جينوم سوداني إلا واحدة كما ترى . فحسب وثائقيات الإمارات التي بثتها قنواتها علنا ، فقد كانت الأسرة الخامسة و العشرين التي حكمت ، ما يعرف الآن بمصر ، شعوبها بلين و رفق و إنصات لرغبات رعاياها ، و ما عداها كان استعبادا محضا . و علق أحد لطفاء المصريين ، أن عبارة “مصر مقبرة الغزاة” تعني أن الغزاة يبقون بها حتى يحين موتهم و يقبرون فيها !!
و في العصر الحديث ، عندما أراد أول رئيس مصري ، و هو محمد نجيب ابن السودانية ، منح الشعب المصري حرية تقودهم نحو الديمقراطية ، تمت الإطاحة به بحجة أن المجتمع المصري غير مؤهل لذلك . ثم أتى السادات ، و هو حفيد السودانية ، و فتح الطريق للحريات و الديمقراطية ، فكانت سببا في مقتله كما عبر الشاعر المصري الكبير الفاجومي ” فتح البتاع ، و برضو مات مقتول” ..
أما تلك المرة الواحدة التي أشرنا إليها في الفقرات السابقات ، نحب أن نقف عليها قليلا لأنها شديدة الارتباط بجوانب بالغة الأهمية بالأزمة السودانية المصرية . فلمصر الرسمية انفصام مرضي حاد في رفض الإسلاميين لديها و قبولهم لدينا حينا ، و ما يظنون أنه تخويف لنا من الإسلاميين حينا آخر .. خذيها مني إذن ، فالإسلاميون لا يرعبوننا نحن ، بل يرعبونكم أنتم . فقد خبرناهم و عرفناهم و أطحنا بهم بثورة شعبية فريدة في سلميتها لا مثيل لها ، تشبه ثورة الأنبياء في نقاء سريرتها و كرمها ، ثورة “عندك خت ، ما عندك شيل” . و لم تقم لهم قائمة إلا بهزال و صبيانية حكومة الثورة (راجعي تعقيبنا على نضال عبد الوهاب) . أما كون الحرب في السودان مستمرة بإرادة الإسلاميين ، إنما هو قول أخرق لا يرى المشهد كاملا . فشباب ود النورة و أردماتا ، على سبيل المثال ، لا يحتاجون تحريضا من الإسلاميين لقتال الدعم السريع . و في حقيقة الأمر ، مرت الحرب في السودان بأبع مراحل ، و بالتالي فإن التقافز و التخبط بينهم الذي تمارسه النخب المصرية لا يجدي ، كما لا يجدي مداهنتكم لما يعتقد أنهم خصوم الإسلاميين (راجعي تعقيبنا على خالد كودي) . و أما مراحل الحرب الأربعة ، فلن نتحدث عنها هنا ، فلتكابد الباحثة و مساعدوها في البحث عنها .
أما إسلامييوكم الذين استلموا السلطة بعد ثورتكم المجيدة ، فإنكم لم تستطيعوا فهمهم و الإطاحة بهم ديمقراطيا رغم تخلفهم السياسي و الإجرامي عن إسلاميينا . و لذلك سيعود إسلامييوكم إلى السلطة مجددا ، فما يزال في جعبتهم من حجج ليس أقلها أنهم أتوا باختيار الشعب الحر ، و سيقبلهم العالم مثلما قبل مرسي طالما إنه سيصدر خطابه للرئيس الإسرائيلي بعزيزي و صديقي العظيم و يذيله بصديقكم الوفي .. أما في الداخل ، سيسحقكم إسلامييوكم سحقا في الداخل و سيطلقون يد شمس بدران الإسلامي و يحيلون ليلكم نهارا ، و حينها ستنفجر في وجوهكم خمسة قضايا اجتماعية لن نفصح عنها ، فلتكابدوا البحث عنها . و حتى ذلك الحين ، سيشردوكم في المنافي و المنازح ، و عندها ستلوذون بنا و كان على ربك حتما مقضيا ..
أما نحن فقد عبرنا البحر الذي لم تصلوا أنتم شواطئه بعد ، ففي فضائنا السياسي و الفكري تحلق فكرتان يعصماننا من الوقوع في أحابيل الإسلاميين و غيرهم مجددا . و بالطبع لن نذكرهما ، فلتكابد الباحثة و مساعدوها في البحث عنهما .
نعم ، الآن نمر بمرحلة صعبة و مؤلمة و حزينة ، و لكننا أصبحنا أصحاب بصر حديد نحل به أزماتنا بتصحيح العلاقة مع بعضنا البعض و مع العالم ، و بدايتها تصحيح العلاقة معكم أنتم و لن تكون كما كانت زمان . وإن أردتموها زي زمان ، رددنا مع الست “قول للزمان إرجع يا زمان” ..
غير أن ما يضحكني هو تنطع النخبة المصرية بأن مصر دولة ذات سيادة ، و بالطبع نحن نقول ذلك أيضا و لكن من باب المجاز و مدافعة القانون الدولي . و في الواقع ، مصر ليست دولة ذات سيادة . و ذلك ليس لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي صرح قبل أسابيع أن الرئيس المصري يقوم بما نطلبه منه بالضبط ، و إنما لغياب المشروع الوطني الذي يتراضى عليه المصريون .
فما هي السيادة ؟؟
و السيادة إنما هي المجموع الجبري لسيادات الأفراد ، إي إن الدولة ذات السيادة إنما هي التي يكون أفرادها سادة فيها .. و ذلك ما فجرنا لأجله ثلاث ثورات منذ استقلالنا الحديث منتصف القرن الماضي ، كانت خلالها المنطقة تعيش ديجورا سياسيا حلوكا . و رغم انكسارت ثوراتنا ، إلا أنها حررتنا من أن نكون كأطفال وليم قولدن في ذباب آلهته ، نهيم على وجوهنا في صحراء الحياة ، فأصايل طباعنا تحول كل انكسارة لنا دافعا للارتقاء ، بل إنما هي زادنا في الطريق إلى سيادتنا و وحدة أراضينا و رفاهية شعبنا ، استحقاقا جميلا لشعب جميل . و لعل شاعرنا البديع قاسم أبو زيد ، قد التقطت عيناه النضاختان لحظة البعث هذه ، فنفخ فيها من صوره ، و أنشد يقول ، يا فرعون النيل الجاري عليك ، كلم فرعون النيل المنك جاري ، أنو حيطلع منك أجمل زول غرقان في العالم ..
adil.esmail@gmail.com
