أما أنه العهدُ .. وتكملة المسيرة! .. بقلم: محمود هلالي/ بازل/ سويسرا
28 نوفمبر, 2017
المزيد من المقالات, منبر الرأي
36 زيارة
نوفمبر 2017
ما بين التاريخ والحاضر صفحات خصبن بالحبر الذي خط خلاصات عقول ظلت متقدة ومتحفظة لكل شاردة وواردة. فما غفلت عن سطر أمجاد وعز مفاخرةً ومهللة، كما لم تغفل عن سطر خيبات آمال وهفوات رجال محزرة ومنفرة تعلوا أسطرها ذفرات حرى. ولعمري أن التاريخ والحاضر والمستقبل لهم ما لهم من صلات. فكثيراً ما شكل ماضينا ملامح مستقبلنا. وكثيراً ما فسر الحاضر لنا صفحات مبهمة من ماضي طوته الأيام وأصبحت أحداثة تأخذ طابعاًً أسطورياً مات جميع أبطاله تاركين غموضاً لم يسبر غوره كثير من الناس. ولا عجب أن حاضر المرء لا يتجزأ عن تاريخه وإن بذل ما بذل في سبيل الإنسلاخ عن جلد الأيام الخوالي.
كلما نظرت في ساعتي تشير إلي ثانية مودعة تركض مودعةً أخري إصفر وجهها وهي تتلو آخر ما يقوله المسافر وآخر ما يقوله من كتب عليه أن يكون من ماضى لا يعود. أحياناً أسمعها تهمس لي بأن أجعل منها لحظة خالدة يذكرها بنو البشر فتقوي علي مقاومة النسيان وتنجو من غيابة جب السنون. كلما نظرت إلي تاريخ اليوم يخبرني بأنني ولدت قبل زمن مضي وأن لي ٣٤ عاماً أمضيتها. يسألني يومي أحياناً كيف مر ذلك السرب من السنوات؟ أو يعيد سؤاله محدقاً إلى .. كم منها نال لقب الخلود؟ وكم منها تثبث بصفحات الذاكرة؟ ولكن . . جرت العادة أنني لا أملك جواباً علي هكذا أسئلة!
في ذات يوم وأنا عالق بمطار أمستردام في رحلة شابهت رحلات العرب في شهورهم الحرم ليلحقوا بأسواق عكاظ بمكة والتي إنتهت إليها كثير من الخطوات. رغم أنني لم أر الحارث بن كلاب يمشي في خطواته الدؤوبة لمواصلة سيادة العرب وقريشاً علي وجه خاص بإتمام سدانة البيت الحرام وضيافة الذين سمعوا نداء سيدنا إبراهيم عليه السلام مؤذناً في الناس بالحج. ولا أنسي أن من كانوا يقصدون تلك الرحلة كانوا من بلاد عرفت بصناعة الساعات وقد قيل عنها في غلو ممن لجؤا إليها من بلاد السود بأنها ساعة كبيرة يسكنها قوم أكسبوها إنتظام شوكاتها. فقد حضروا في تمام وقتهم وفي إنتظام كبير شابه صفوف عبس وهي تتصدي لغزاة يتقدمها عنترة. في تلك الرحلة والتي أعيتني وأنفذت صبري شعرت براحة عندما جلست في مقعدي ووجد ظهري متكأً. فوجدت نفسي أسترجع صفحات من أيام خلت. أيام ودعتني ولكن أخذت معها ما لا يمكن أخذه! أيام طوت الأرض من تحتي والسماء من فوقي فبت هائماً في فراغ لا نهائى. أيام تعيدني لذكرى رحيل والدي وأي رحيل هو؟ عندها فقط بحثت عن ساعتي لأنظر في حدقات الثواني فتحدثني وأحدثها! وقد كان لي ما أردت! ولكنها كعادتها باغتتني بأحد أسئلتها التي تعجز اللب مني! فقالت .. أحسبك باحث عني وإن هذا لشئ أتوق إليه؟ فقلت لها .. وما سر بحثك عن سجال مع من يتقن الهروب والمناورة؟ .. فقالت أري عيناك متقدتان وكأنك اليوم تملك جواباً عن أسئلة تصعب إجابتها في زمانكم! فقلت بلى! اليوم أنكر أمامك عمري وإنجازاتي وتاريخي! فقالت لي وهو تلتحف ثقة المدرك وحذاقة الحصيف! .. قالت لعمري إنه الهذيان بعينه .. قلت لها ما ضاق حليم بمفصح مبيان! وأردفت قائلاً .. ليس عمري ٣٤ وليس صنيعي في هذا الكون مرهون بتلك السنون! فقالت لي .. لدي المفصح ما يشبع رغبة السائل! فقلت لها .. أنا رزق أبي وأمي وأداة لتكملة ما عكفوا على بنائه! فأومأت .. فأكملت حديثي مردفاً .. إن في ولائى لأبى وحرصي علي تكملة ما بدأ كسب لي يتمثل في سنوات ما حضرتها ولا عشتها! فتلك سنوات بدأ فيها أبى أعمالاً ونهجاً وطريقةً لقنني إياها عبر سنين عمرى تحت ظله! وإن حرصى وولائى له ليجعل لي قرينةً في طلب تلك السنوات لتزاد علي عمري! فقالك أهذه أحجية أم نداء لمبارزة ما قبل رحى الحرب؟ .. فقلت لا وفالق الحب والنوى إنها والله لذكري فاجعةٍ ما فجع أهلي بمثلها .. فقالت لي أنسيت أنني الساعة مرضعة الأيام وإرشيفها الا نهائى .. فقلت لها خذيني إلا يوم موت أبي لأنظم أبياتاً لعلها منجيتي من مغبة مهالك الذكريات
فقالت ها أنا ذا أراك متسمراً كتمثال كشفت أنهر دموعه عن رفاة إنسان يلتف جوانحه .. فأردفت .. هات ما نظمت من رثاء … فقلت لها علي أن تتخيلي أنت كم عمري وكم إرثي وأعلمى أنني أعجز عن الإفصاع وبي لوعةٌ وبقلبي خواء لا نهائى يفقد معه الإدراك وإحكام القوافي …
لعل العمر يغفل عن دياري فأهنأ بالحياة مع صغاري ..
احجيهم عن الأمجاد اروي عن الجيل المتوج بالجمال ..
عن اجداد تغازلهم ثريا فيأبوا أن تميل بهم رمال ..
احكيهم وتصدقهم دموعي وتعجز السني عن وصف حالي
احدثهم بفقد كان جللاً ورجلاً كان عوناً في الليالي ..
عن الجد العفيف شريف قوم وعن موت الكريم ولا يبالي ..
وعن عزِِ بناه لنا مشادا” وكان قد ارتجاه في الخوالي ..
وكان إذا ما إشتد خطب يداويه بآلاء المعالي ..
ويشفي كل من أمسي ثكيلا” وإن كانت مصائبه عضال ..
فما كانت خصائلة صناعاًو كان يقرا في الجوى مفضال…
ويمشي للصعاب كمشي أسدٍ نضال منه يعتصر النضال ..
فما فقد المليك يريح عقلا” ولا يرتاد حلما” أو خيال ..
فما كان الهلال له نديداً ولكن راغه شبه الكمال ..
ولعل البدر اغبطه اذا ما تسمي تاج رأسي بالهلالي ..
لعمري كيف للأقدار ثني وكيف علي نصيب من مقال ..
فيا ربي ليلهج كل طير فيذكره وبجزل في السؤال ..
وليكن عدد النجوم ومثلها أجرا” يقمه ويعلي عند مآل ..
فما والله ما عرف اجتناباً ولا غرته دنيانا بمالٍ ..
فها هم خيرة الأقوام قبروا فما بالي عييت بإرتحالي ..
فكذا يتسرب الأخيار سراً كإنفراط الدر من أسر الحبال ..
mahmoudhilali@gmail.com