أيتها الخرطرم ، لَمْ تكونين مختلفةً عن عواصم العالم، كانت البداية طيّبة وانتِ تعصمين أبناءكِ عن التلاعب بالزمن! والتهاون بالنظافة هنداماً وشوارعَ ومكاتبَ والسكن..
كنتِ فُتَيَّةً غضّةً لدِنة جميلةً شكلاً ومعنى، وبين جنبيكِ قلباً أبيض من لبن.. تقبِّلين النيلين والعواطف جيّاشة نبيلة لاتعرف ما المحن.. ترتمين في حُضنيهما الدافئين أنيقةً دافقة المشاعرِ.. صديقةً للفنِّ والشعراءِ والشواعرِ !
أحبَّكِ الاجانبُ فجاؤوا مُتاجرين.. وجادوا بكل مأكل وملبس ومَشْعَر ودين..فأمَّكِ الارمنُ والمغاربة والشنقيط والطليان.. واليونانيون والشوّام واليمانية والهنود والفِزّان.. بعد المصاري والأنجلكان.. !
ثم فتَّح التاريخُ صفحاته وجهَّز الأقلام والأحبار.. ثم نفض عن دُرْجه الغبار.. كانت الأسطر الأولى تحكي عن القطن والدولار..عن الجنيه السوداني مُهدِّد المغول والتتار.. ثم ماذا أيّتها الخرطوم؟
أخانَ الانجليزُ العهد وانسحبوا.. ثم ماذا جرى للنيل لم يغضبْ وان عتبوا.. أهكذا الإنجليز قد ذهبوا.. تاركين البُنَى التحتية للصبيان ينعي حالها التُّركُ الحلبُ..
وهل بمقدور الفتية ان يقاوموا الأطماع والحقدا.
يغتسلوا بعطر الحبِّ وعلى باب التاريخ يبرموا العِقدا.. ثم علي اكناف.التعليم ينثروا الوردا.. ثم يحسنوا الوُدّا بين الصحة والإصحاح وتنظيف الشوارع والإسكان..
وفي ذا المكان..
أيقدروا علي استضافة أهل السودان؟
والآن الآن.. بعد. مضي قرن ونيف من زمان.. حُقَّ لي أن أسأل.. والسؤال يفضي الى السؤال : لِمَ العجلة أيُّها الازهريُّ.. أيها المحجوب..
ايها الصاغ المِصري صلاح سالم.؟ وما شأنك؟
لِمَ الإستقلال ونحن بعدُ لمْ نُولدْ.. ام قصدتم الإستغلال ونحن بعد لَمْ نُولدْ! ! فما رأيكم ؟ونحن الآن نرفض سعيكم .. نرفض قولكم ونرفض ردَّكم.. لو كنا لَثُرنا ضدَّكم
ماذا خلّفتم لنا غير الشنار والعار.. اين انتم من التقليد الجاري.. النظافة الاسبوعية للمدينة والدار
والسودان كله مضاء بالليل والنهار.. والماء يجري منافساً بصحبة الأنوار..
ألا زلتم تعدون الأناشيد الوطنية للصحبة الاخيار.. لَتحفظها الجارية(فوز) نيابة عن الأوركسترا الوطنية.. التي تلاعب الدنان بعقول عازفيها !
ألا زلتم تتقاتلون منذ الوهلة الأولى.. حتى اللحظة الأخيرة. ! أما زال الصراع محتدماً يتخطفكم كزغب الطير واحداً واحداً .. منذ فجر الاستقلال، وانعطافا بفجر الانقلاب الاول.. وانحداراً بليل الحكومات المدنية.. ثم إسراءً الى ضحى الحكومات العسكرية.. لأجل كراسٍ ذهبية لا تموت ولا تفنى!
حدثيني ايتها الحبيبة عمَْن خاصم وفاصل ام درمان.. حدثيني عمّن رمى القُمامة وشوّه المكان.. خبّريني عمن مَلقَ ومن سرقَ ومن حرقَ السودان.. ومن ميَّز وكرَّس للقبلية. وأشعل البركان.. بربِّكِ حدثيني عن الجنوب والغرب عن القاتل الجبان.. حدثيني عن زيف المهدية وفشل اليسار والاخوان..
أين انتِ ايتها الحبيبة الخرطوم من الحبيبة ام در مان.. من هذا الضياع..أذهب الانجليز حقاً وتركوكِ للذئاب وللسباع.. للسارقين الجياع.. للهلمَّجرَّا وللنزاع.
ألا يمكن ان تذهبين في المعيَّة ضمن هاتيكَ المتاع.؟ لَتتركين المكان للمصارعين، ومن سيصرعه الصراع..
فأنتِ اليوم كأسوأ ما تكونين. !!وقد ذهب الجنوب الى الجنوب، وحُقَّ له هُويَّة السودان.. وذهب الشباب طالبين المستعمر بعد ان ضاق المكان.. بعد أن عزَّ الامان.. ذهبوا بعد ان عقُّوا الاقربين ولاعنوا الاوطان.. وبقيتِ انتِ ايتها الخرطوم.. وقد ذهب الجمال مع الزمان.. وساد. الكُرهُ والاحقاد والرِّهان. !! أن تصمدين او لا.. ان تهربين او لا.. ان تغرقين تهلكين او لا.. وقد أصبحتِ وطناً جديداً للحَبشْ !!
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم