أنا متشائم.. جداً جداً! .. بقلم: عثمان محمد حسن
10 أكتوبر, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
23 زيارة
كانت جلسة الحوار: ( جلسة ما منظور مثيلا!)
” متشائم جداً جداً جداً!” قلت له، و قد طلب مني أن أغير القناة السودانية التي تبث ما يدور من ( حوار) في قصر الصداقة.. بعد أن رآني في ضيق من ( الكلام المرسل) و الجعجعات الألم.. و أنا مريض سكر.. و السكر ليس مرضاً صديقاً كما يشاع.. و لم تكن جلسة ( الحوار) جلسة حوار يفضي إلى مخرجات تشفي علل السودان المستعصية على الحكومة و المعارضة معاً!
جُل المتحدثين يثنون على الرئيس البشير.. و على عبقريته في الجنوح نحو الحوار.. و وطنيته الصادقة.. و… و… و فلقاتٍ أخرى.. و ( كسير تلج) من الوزن الكبير زاد القاعة برداً و قشعريرة.. ما يشي بأن ثلاثة أشهر من المداولات و التحاور في ( بيزنطة) سوف يكون نتاجها:- ” عملنا إجتماع و قررنا بالإجماع!).. أو كما قال الأديب الأستاذ/ هاشم صديق في مسرحية ( نبتة حبيبتي)-
يشكرون الرئيس على دعوته لهم إلى القاعة المكيفة جداً و السودان كلو حر.. و الكهربا مقطوعة.. و الناس إما أن تلجأ لاستخدام المناديل و الكراتين للتكييف.. أو تقع البحر! و يستمر الحر في الخارج و البرد في الداخل..
و في الداخل قليلون هم الذين خرجوا عن الخط الذي رسمه حزب المؤتمر الوطني و معه توأمه حزب المؤتمر الشعبي.. لكن ما قل و دل كان كلام البروفيسير/ كمال شداد.. الذي فاجأه رئيس الجلسة بدعوته إلى المنصة.. و بعد تردد تساءل الرئيس:- (هو في كمال شداد غيرك في القاعة دي؟) فتقدم البروفيسير.. و اختصر كلامه مطاباً أن يتم تشخيص العلة قبل البدء في أي حوار..
صحيح، ما في كمال شداد غير كمال شداد و الله العظيم!
لكني متشائم من الحوار المزعوم! فلا ومضات برق في سمائه تشي بهطول أمطار تروي حقولنا شديدة الجفاف.. و لا هزيم رعد يبشر بغيث يروي مواشينا المتهالكة و هي تشق طريقها من أقاصي الغرب إلى الخرطوم.. ..
فمن الجلسة الأولى و من جلسة خطابات الأحزاب الموالية نرى كُرة النظام تتعسف.. لم تخرج عن خط سيرها الذي بدأته منذ ليل إنقلاب الانقاذ البهيم.. نفس العقلية التي تنتج فكراً يسخر من عقول الآخرين.. و يستفرد بمعرفة ما هو خير للوطن.. و الكرة تتدحرج من أعلى، و في طريقها يتراكِم المزيد من الغبن و الأحقاد بما هو كفيل بحرق القرى و المدائن في كل السودان يوم تتحرك الشوارع و المآذن نحو القصر الجمهوري الجديد.. لاقتلاع اللات و العزى.. و جميع الأصنام الواقفة دون فعل مفيد..
تبت يدا أبي لهب! ” متشائم أنا! لا أخفي عنك شيئاً”، قلت لإبُني.. البشير لا يريدها أن تمضي على خير.. مستقبلكم لن يكون كما كان ماضينا.. فكل شيئ يمضي على الدرب العكس.. و الحساب سوف يكون عسيراً على السودان بأجمعه..
أما تسمعهم يتحدثون عن نشر” العدالة الاجتماعية!” في سودان ما بعد الحوار.. مع أن العدالة الاجتماعية تقتضي عبور محطات لن يسرهم عبورها لها.. فما تحصلوا عليه دون حق منذ البدء سوف يكون مبتدأ عمل أول يوم من أيام العدالة الناجزة.. و من ثم البحث في كل ظلم ( جماعتهم) الذين لم يتركوا شيئاً صالحاً في عموم البلاد إلا و ألحقوا به ما ألحقوا من ظلم و إضرار تحت راية كذوبة أسموها: المشروع الحضاري..
في استكبار الطغاة الجاهلين يمشون على الأرض مغرورين بما نهبوا.. غير عابئين بمن قتلوا بالرصاص أو التعذيب أو الهجرة ( الجبرية) إلى بطون الأسماك في البحر الأبيض المتوسط أو من قذفوا بهم ( جبرية) إلى حواصل ( قلينقيتة ) الصقور في الصحراء الكبرى.. و ليس أسوأ منهم نظام غاشم مر بالسودان الحديث.. و لهم يوم.. لهم يوم!
و يتحدثون عن العدالة الاجتماعية الآن بعد أن ( كوَّشوا) على كل أسباب حصولها يوم أن صاروا هم عِلية المجتمع قادمين من حفر الفاقة و الاستجداء.. محتكرين كل مفاصل الثروة! وا سوداناه!
و قال أحد حمَلة السلاح القادمين مع الرئيس دبي:- ” نحن مستعدون للتنازل عن مستحقاتنا في السلام من أجل السودان! السلام! و كلامه أكثر من واضح.. و سوف يأخذ مكانه الدستوري قريباً.. برجاء هبات و مكرمات صاحب الفخامة الامبراطور الأعظم البشير.. الذي يوزع الأدوار داخل الجلسة و خارجها حسب مقتضيات الحال..
لم يأت العريس إلى الحفل.. و غاب أهل العريس.. لكن ظل المطاميس في فرح و مرح و نفوس مستبشرة راغبة في عشاء يزلقها لهم أبو مروة ( عشا البايتات)
أنا متشائم جداً.. جداً! متشائم ليس من مخرجات الحوار المكشوفة سلفاً، و لكن من الغبينة المكتومة في البيوت و الشوارع بعيداً عن خواطر المتحاورين في قصر ( بيزنطة).. و نحن نرى المصائب تلاحق بعضها ( الحجل بالرجل)، فمن ارتفاع مستدام في الأسعار إلى سقوط فادح في عدم القدرة على صد غائلة الجوع و المرض.. إلى التفكك الأسري.. السقوط في اتخاذ ( قطع) من الجسد ( ابيرات) للبيع في مصر و الأردن..
و الأمل في إصلاح الحال يكاد يلامس المحال.. و الكلام لم يعد يجدي.. متشائم جداً.. جداً.. جداً.. و لم يبق لنا سوى الثورة و الاضراب السياسي.. و العصيان المدني.. و أيٍّ من ما من شأنه إسقاط هذا النظام المقيت.. هيا بنا يا شباب و يا شابات.. هيا بنا.. فذلك هو الأهم في هذه المرحلة من عمر السودان.. هيا بنا.. بلا تردد!