أنت عندي رجل بو! تأملات الصامتين… زمن كسر الاقلام .. بقلم: الدكتور أحمد محمد أحمد آدم صافي الدين

 

في البدء فليعذرني القراء، فالكتابة في موطن كهذا هي متنفس لاخراج الهواء الساخن والالم المكبوت، وهي على اي حال خير من التباكي والتشكي. ولطالما ان تباشير الثورة على الواقع المرير الآسن قد بدأت في التلاشي، فان هذا الاحرف تخرج استبشار ببزوغ فجر جديد للخلاص من كابوس طال ليله. فهنالك 

أشخاص قليلون من الذين لديهم ولع بشع بالحقيقة، وحين يلجم احدهم نفسه، ويكبح جماح عقله لكي لا يقول ما ينبغي أن يقال، وحين يحمل نفسه فوق ما تطيق على أن لا يبوح بقبيح يحتقر هو داخلة نفسه ولا ينجو من لوم لائم. فلأنه يرى أن موقفه اقل من المطلوب، بينما يعده الآخرون أكثر من المطلوب، تبقى المصيبة قائمة والفجوة بائنة. وقديماً قيل: أن السكوت ارحم من شكوى لظالم لا يرحم، لا سيما في زمن الانحطاط والتردي، الذي شمل المباني بعد ان عم المعاني. والنصيحة اليوم هي صرخة في أذن أصم. وهي أيضاً مثل محاولة استنطاق لأبكم. قيل أن السكوت في معرض الحاجة إلى رد بيان. وبيانه أرقى أنواع الأجوبة. فالسادة والقادة والأكابر هم نيام يزرعون في الألغام، فيكونون أول ضحاياها. هنالك وجوه لا يشتهي المرء أن يراها لأنها أضحت مملة، وهنالك شخوص لا ترى في وجوههم العابسة غير البؤس، هم جند إبليس، في ثياب ملائكة. لا يرحمون، ولا يدعون رحمة الله أن تتنزل على عبادة. فمنهم من ليس له من اسمه نصيب، وفيهم هو عدو لنفسه جهول. عبارات الإفصاح، الكلام، البوح، الحديث، النطق، ولسان الحال. فمن يزرع الشوك، يحصده . ومن يوكي بكلتا يديه وبفيه ينفخ لا يلومن إلا نفسه. فقد شكل موت الأحلام المشروعة لكل شعب صابر مأساة، وقتل الأحلام للأطفال الزغب، في زمن سيادة الفوضى واللا نظام بلاء ليس بعده بلاء. في السودان لماذا الكل يشكو دهره، ويندب حظه، ويبكي لياليه وأماسيه، وبعضهم يلعن يومه وأمسه وغده وبلاده …فماذا دهانا معشر السودانيين؟ فهل نحن في انتظار يوم لا يأتي قط، و هل يمكن أن يحرك بكاء الأرض والسماء معاً ساكن الطلقاء. فمن يمشى مكباً علي وجهه من اللقطاء ومن جرى مجراهم، ليس بجدير أن يقود امة. يقال أن الرائد لا يكذب أهله، ولكنه اليوم كذلك. فالحمقى والمغفلون لا يفيقون، ولو خرجت لهم حيتان والبحر وتظاهرت معبرة عن معاناة الناس والشعب. ومن يسلك الطريق المسدود، لا بد له من أن يعود. نحن نعيش اليوم في ظل ود مفقود، ونشق الظلام لنصل إلى طريق مسدود. نحن سكوت لان الرضا بيننا مفقود، والكلام لا طائل من ورائه، فكان الصمت أجمل وأجل. كل من يختار الصمت يدرك أن الصمت احتجاج، على ظلم ليس بالامكان رده. ويختاره من يختاره لأنه مخذول! البساتين المترعة بالزهور اجتثت من فوق الأرض، حين تفتحت بالأحلام. فالكلمات أضحت سجينة زنزانة نتيجة لمنهج بائن انه معوج. من العبث أن تصرخ في إذن أصم، وتستنطق شفاه أبكم. فالصامت والأصم لن يجنيا شيئا ذا ذكر. الصمت إجابة بارعة لا يتقنها الكثيرون، وهي رسالة إنصات للوجود، وهو العلم الأصعب في زمن الكلام، وكسر الأقلام، ولي أعناق مكبرات الصوت. فشهر زاد ظل تلوك الكلام ولكنها سكتت عن الكلام المباح. لا بد أحياناً من لزوم الصمت ليسمعنا الآخرون.إذا قلت المحال اضطررت لرفع صوتي، وإذا قلت اليقين طاوعت عقلي. نحن نتكلم حينما يفيض بنا الصمت. إن السكوت ذهب يا هؤلاء،حين يكون الكلام فضة، فهل انتم منتهون! كثيرون يصمتون ليفكروا بهدوء ويتخذون قرارتهم بحكمة وترو. والصمت في المواقف الصعبة يولد الاحترام بعكس الصراع، والجدل الذي يولد التناحر والحقد. فصمت الرجل يقلق المرأة، لأنه قوة خارقة توقف الآخرين عند حد ما، لأنهم لا يدركون فيم يفكر الإنسان الصامت، هل يدبر في هجوم مستتر. وصمت الشعوب يقلق الحكام اللئام. وهنالك عدة أنواع للصمت من بينها: صمت اللامبالاة، وصمت الإهانة، وصمت من يريد كسرك، وصمت الانتقام، وصمت الخذلان، وصمت النسيان، وصمت الخيانة، وصمت الوقاية، والصمت الجناية، والصمت العاصف، وصمت الإعصار، والصمت الذي ليس بعده شيء. وجدت سكوتي متجراً فلزمته إذا لم أجد ربحاً فلست بخاسر. وما الصمت إلا في الرجال متاجر، وتاجره يعلو على كل تاجر. هناك صنف من البشر، أقل ما يقال عنهم ما قاله أعرابي، في حق الشاعر الأصمعي: “أنت عندي رجل بو” ليس الا لانه لا يفهم. فالناس اليوم ما بين ساكت وصامت، وناطق وصارخ، وناصح ومائل بسبب واقع متردي لا يمكن السكوت عليه.
إن تسيير الأمر بعقول، لا رابطة بينها وبين القلوب كارثة.
فذلك يجعل طول ليل المأساة، والفجر الذي لا نور فيه لم يبرح، في ظل قلوب مكسورة، فأنا وانت وغيرنا نقول: سجين في فؤادي نار حزن.و لا نملك ألا أن نتمثل بيت الشاعر السعودي عبد الرحمن الابنودي:
بكى جسر الرصافة من أنيني وقد تبكي من الظلم الجسور!

dr.ahmedsafidinfdi@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً