“أنموذج الدولة السودانية – ديناميات الصراع” (7) .. بقلم: عمر هاشم
25 سبتمبر, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
42 زيارة
“نحن لانزال أمة يافعة، ولكن كما يقول الكتاب المقدس، لقد حان الوقت لكي ندع الأمور الصبيانية جانبا”. باراك أوباما
عندما أفكر في مقاربة السّاسة السودانيين للشئون العامة وأمور الحكم دائما ما أتذكر طريقة لعبنا للكرة حينما كنا صغار العقول والأجسام في مرحلة باكرة من العمر. لازالت الذاكرة تختزن مشاهد لموجة مكونة من نيف وأربعين طفلاً، تندفع وتتدافع وتتعرّج في كل الاتجاهات لهثا خلف كرة مهترئة من كثرة الرّكل والتّعاور. كان الكل يركض في نفس الوقت وفي نفس الإتجاه، والكل يسعى للاقتراب من الكرة، والوصول إليها، ثم الإحتفاظ بها لأطول وقت، أملا في أن يحرز هدفاً بنفسه. لم تكن هناك أي قواعد تكبِّل لعبتنا، ولم نرى حاجة للتقيد بحَكَمٍ يحكم اللعب، ولم نهتم لإجراء أي شيء لتنظيم اللعب سوى ان ننقسم إلى فرقتين، ونحدد لكل منهما مرمى، ثم ننطلق جميعا خلف الكرة فيثور الغبار ويختلط الحابل بالنابل. حينها لم نكن نلعب كرة القدم، بل لم نكن ندّعي ذلك، إذ أننا كنا ندرك، على حداثة سننا، أننا نمارس شيئا آخر أطلق عليه أسلافنا الحكماء، الذين سبقونا على اللعبة، تسمية “الدّافوري”. ولكن لماذا تذكرني ممارسة الكبار للسياسة والشئون العامة في السودان بالدّافوري؟ لست أدري.
ظل الصراع الدائر في السودان منذ مرحلة الاستقلال وإلى الآن يتمحور حول السلطة والثروة والنفوذ والمكانة الإجتماعية. ولأن أقرب طريق للحصول على كل ذلك هو الإستيلاء على الدولة والإمساك بمقاليد الحكم فيها، عليه أصبحت الدولة ومقدّراتها ومؤسساتها محوراً للنزاع والصراع الدائم. وفي سبيل ذلك الصراع المحموم على الحكم والدولة تم توظيف كل شيء فشُكلت الأحزاب واعتُنِقت الآيديولجيات، واستُغِلت الطوائف وحُشِدت القبائل وجُيِّشت العصبيات، وحُوِّر التاريخ وحُرِّف الدين، حتى صارت كلها أدوات صمّاء مجرّدة توظّف من قبل النخب والقوى المختلفة للوصول إلى كراسي الحكم والتشبُّث بها والتحكم في مفاصل الدولة، وأصبح الوطن ساحة لتلك المعارك، التي مورست حرفيا، بكل الوسائل وباتت مقدرات ومؤسسات البلاد الرسمية والشعبية وقودا لها. وظل الشعار الدائم لكل ذلك، كل شيء مباح في الحرب والحب. هذا ملخص مقتضب للوضع السياسي لدولة مابعد الاستقلال التي تشارف شمسها على الغروب.
لقد أفضى هذا النزاع المستمر والصراع المدمّر والتكالب والتهافت من القوى المختلفة والنخب حول الدولة إلى إيجاد حالة دائمة من الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي في البلاد وتخبط السياسات العامة مما أدى بدوره الى التدهور الاقتصادي المستمر، والتقهقر المطرد لأداء الدولة، والانحدار العام لمجمل اللأوضاع، وانتقال الدولة من حالة فشل لأخرى أفشل منها حتى تربعت على قمة جبل الفشل مع نظام الإنقاذ، الذي أضاف إلى مقاييس الفساد والفشل أبعاداً لم يسبقه عليها أحد، حتى حازت البلاد على شهادات عالمية مرموقة في مقاييس فشل وفساد الدول.
ظلت السلطة والثروة والنفوذ والمكانة الإجتماعية عبر التاريخ محورا للصراع بين الأفراد والجماعات الإنسانية المختلفة، والسودان في ذلك ليس بِدَعاً من الدول. وإن كان لامناص من وقوع الصراع حول تلك المسائل، ففي ذات الوقت، لاتعني حتمية الصراع، حتمية تطوره إلى احتراب عام وخراب شامل واضطراب دائم لأحوال البلاد. فمن الممكن جدا تحويل الصراع المدمّر إلى تفاعل بَنّاء، والنزاع المستمر إلى تنافس مثمر، والتعدد والتنوع إلى مصدر ثراء وقوة، وهذا بالضبط ماتوصلت إليه الأمم المتقدمة والدول الناجحة، وأقامت عليه أنظمتها السياسية الديمقراطية، وأقرت من أجله القوانين والدساتير. يقول بروفيسور العلوم السياسية والاجتماعية سيمور مارتن لبست “إن الديمقراطية المستقرة تتطلب الصراع كما تتطلب الإجماع، فوجود مظاهر الصراع تضمن حصول تنافس حول مناصب الحكم، وتضمن وجود معارضة شرعية تتحدى سياسات الحكومة، وتشجع على تبديل الحزب الذي في السلطة من وقت لآخر. وعلى نفس النسق، لايمكن صنع ديموقراطية من دون الإجماع على نظام سياسي يسمح بالتبادل السلمي للسلطة، يتقيد فيه من هم خارج السلطة بقرارات وأحكام الذين هم في السلطة، ويلتزم من في السلطة بحفظ حقوق من هم خارجها”.
ولكن على النقيض من ذلك، نجد الصراع عندنا لاينضبط بقانون ولايرتبط بنظام، حتى فقدنا كل أسباب الإجماع، إلا في نطاق العصبيات الضيقة، سواء كانت حزبية أم طائفية أم عقدية أم إثنية أم قبلية، وحتى هذه لم تسلم من عدوى الصراعات والانقسامات والتي غالبا ماتثور لنفس الأسباب السابقة. والذي يصنع الفرق ما بين الصراع المفضي إلى الاجماع وما بين صراعاتنا واضح وضوح الشمس. فالصراع في حال الأنظمة الديمقراطية، صراع مُنظّم ومُؤطّر ومُنضبط، يُحكم بقوانين وقواعد تحدد كيف تُمارس اللعبة السياسية، ولايخرج من اطار الإجماع العام على ثوابت وطنية عليا متفق عليها مسبقا، وتتمثل في النظام الديمقراطي الذي يسمح بالتداول السلمي للسلطة، والدستور الذي يناط به حفظ الحقوق وحماية الحريات، وسيادة حكم القانون. والغرض من الصراع في حالة الأنظمة الديمقراطية لا يتعدى منح فرصة، محدودة قانونيا ومؤقتة زمنيا، للحكم وتطبيق برامج وسياسات معينة، وليس الغرض منه اقصاء طرف لآخر اقصاءً كلياً، أو اخضاعه اخضاعاً تاما، أو القضاء عليه قضاء مبرما. وأما الصراع عندنا فعلى العكس من ذلك كله، فلا تحكمه قواعد ولا يحُدُّه حد، ويسعى إلى فرض الهيمنة والسيطرة المطلقة والقضاء على الأعداء المفترضين، فيظل الصراع يولّد الصراع حتى يتحول إلى حرب شاملة ضروس، تخاض بكل الوسائل، فلا تُبقي على دولة ولا تذر أمّة.
إن قواعد أي لعبة جزء أساسي منها، ولا توجد لعبة ذات معنى يمكن أن تستمر من دون قواعد. مشكلتنا في أننا نصر أن نمارس اللعبة السياسية، أو الصراع السياسي، بدون الالتزام بأي قواعد، “والحشاش يملا شبكتو” و”الفورة مليون” على رأي المقولات السودانية. وفي الواقع لا يوجد صراع يستمر إلى مالانهاية فكثرة النزاع والصراع الذي لايخرج منه غالب ومغلوب يؤدي إلى انهاك القوى وانهيار الدولة في النهاية، و”البصارعك أكان مارماك بتوّر نفسك” كما يقال عندنا، وهذا بالضبط ماظل يتكرر في تاريخنا الطويل عبر القرون منذ انهيار ممالك مروي، والمقرة وعلوة، مرورا بسنار، والمهدية، وإلى وقتنا الحالي، مرة بعد أخرى، ولكن للأسف من دون أن نستوعب الدرس أو نستقي العبر.
إن المحاولات المتكررة للقفز فوق الصراع، أو انكار وجوده، أو تلافيه، أو حسمه بالقوة، لم تجدي نفعا ولن تجدي يوما في دولة تتوزع فيها مراكز القوى وتتنوع كالسودان، ودوننا تجارب الحكم العسكري في نوفمبر ومايو. أمّا تجربة الإنقاذ البائسة وما أوصلت إليه البلاد والعباد، فحالها يغني عن كل مقال. إذ لم يكن ليبقى نظام الإنقاذ طيلة هذه الأعوام النّحسات، إن لم يعتمد في بقائه على سعيه، الذي لم يني يوما، في تعميق وتغذية الصراعات داخل البلاد من أجل اضعاف وتفتيت وتشتيت قوى وتنظيمات الشعب السوداني المختلفة، واحتواء ما تبقى منها ماديا وسياسيا وعسكريا. ذلك بالاضافة إلى اختراق مؤسسات الدولة، والتكويش على أجهزتها المدنية والعسكرية، وتجييرها لصالح نخبها واعضائها، وانتهاب واستنفاد موارد البلاد والعباد. إذاً، فتغذية الصراعات داخل كل التنظيمات الفاعلة في البلاد وفيما بينها بغرض تقزيمها وشرذمتها واضعاف اثرها يقع في لب الوصفة التي ضمنت لنظام الإنقاذ الغلبة في الصراع وبالتالي الإستمرار في الحكم لكل هذا الوقت. وباختصار، برع النظام في استخدام سياسة فرّق تسُد مع قوى شعبه المختلفة – كما لم يفعل نظام من قبله بما في ذلك الاستعمار- فاستتب له الأمر، هوناً ما، ولفترة من الزمن، ولكن ماذا كان الثمن؟ لقد دفعت البلاد الثمن باهظا جدا لهذا الانتصار الوقتي الأجوف، كلَفها تماسك الدولة ووحدة الشعب، وافقدها اسباب قوتها، وأورثها هشاشة وضعفا وعجزا أجرأ به عليها كل من هب ودب، وانتهى بها إلى الوضع الحالي الذي أضحت فيه خزائن الدولة خاوية على عروشها، وقواها خائرة وعاجزة عن النهوض، وأوصل البلاد ممزقة الأوصال إلى شفير الهاوية.
يتضح من كل ما سبق أن مكمن الخلل عندنا يتمثل في عدم قدرتنا على إدارة صراعاتنا وخلافاتنا ومجمل شئوننا العامة، مما يجعل الأمور تخرج عن السيطرة بصورة تامة. ويتضح أيضا أن الحل يبدأ من التواضع على اقامة نظام سياسي جديد يحقق الاجماع وينظم الصراع. والغرض الأساسي من أي نظام ديمقراطي هو ادارة الصراع السياسي في الدولة وتنظيمه بصورة سلمية، بعكس الأنظمة الأخرى التي تحاول حسم الصراع بشكل أو بآخر. إن محاولة التعرّف على طبيعة الصراع الدائر في السودان لا غنى عنها لتحديد كيفية مقاربة التغيير بصورة جديدة وتخدم قضية التحول الديمقراطي من عدة أوجه.
أولى هذه الأوجه يبدأ من الاعتراف بأن الإيمان بجدوى النظام الديمقراطي في السودان إيمان رقيق وضعيف عموما، ولهذا اسباب عدة لايتسع المجال لها هنا، ولكن من ضمن أقوى الأسباب وأهمها أن لأغلب الناس عندنا – بما فيهم النخب – نظرة براغماتية، لا يُلامون عليها، تجاه اي نظام حكم يحكمهم. فهم لا يأبهون كثيرا للهياكل أو المسميات أو الشعارات بقدر مايهمهم مدى مراعاة النظام لمصالحهم الخاصة، وتواؤمه مع قيمهم العامة، وقدرته على تقديم الخدمات الأساسية، والمحافظة على قدر معقول من الاستقرار لمجمل الأوضاع. فإذا اردنا احداث تحول ديمقراطي حقيقي في البلاد، فلابد من اقناع الأغلبية، بنفس العقلية البراغماتية، بملائمة النظام الديمقراطي لأحوالهم المحلية دونا عن غيره من الأنظمة. ولن يتم ذلك ان لم يربط الناس ما بين تضرر مصالحهم واستمرار تردي الأحوال عندهم، وما بين الطريقة الكارثية التي ظل يُدار بها الصراع على السلطة والثروة والنفوذ في البلاد. فإن تم ذلك الربط، فلابد من أن يميل الناس للاقتناع بألّا مجال لحكم هذه البلاد، التي تتعدد وتتوزع فيها مراكز القوى، من غير نظام ديمقراطي ينظم الصراع ويؤطره فيضمن الاستقرار ويحقق النماء للجميع بإتاحة الفرص المتساوية والمنافسة الشريفة.
وعلينا أن ندرك أن نجاح أي نظام سياسي يعتمد في النهاية على قدرته على خلق استقرار سياسي وسلام اجتماعي ونمو اقتصادي متوازن يُمكّن الدولة من تقوية نفسها والنهوض بشعبها. وإذا أدرك الناس أن الشرط اللازم لحدوث أي نهضة حقيقية في السودان هو وجود استقرار سياسي مستدام، فلا بد من أن يدركوا استحالة تحقق استقرار سياسي مستدام بدون قيام نظام سياسي متوافق عليه قائم على المبادئ الديمقراطية. وذلك يقودنا إلى الوجه الثاني، فقد أثبتت كل التجارب أن اقامة الأنظمة الديمقراطية الناجحة مسألة تستغرق الكثير من الوقت ولا تتأتى بسهولة ويسر، وتتطلب جهداً من النشطاء وصبراً من الشعب. ولا يتأتى بذل الجهد واحتمال الصبر، إلا إذا وجد ايمان حقيقي نابع من قناعة راسخة بشرعية هذا النظام الصاخب والمعقّد، فالشرعية هي أهم عامل من عوامل الاستقرار لأي نظام، والذي يريد أن يرى نتائج غياب الشرعية وماتفرزه من آثار، فلينظر إلى حال نظام الانقاذ الذي ظل يلهث لثلاثين عاما من أجل الحصول على شرعية، ولو مؤقتا وبكل السبل، يكسب بها بعض ولاء الناس ولكن من دون جدوى. وكما تحتاج أنظمة الحكم عموما إلى الشرعية، تحتاج الأنظمة الديمقراطية خصوصا إلى المشاركة الواسعة. فمشاركة أغلب قطاعات الشعب ضرورية لضمان استمرار عمل النظام الديمقراطي بكفاءة. ولن تتحقق هذه المشاركة الواسعة ان لم يؤمن الناس بشرعية النظام الديمقراطي ويشعروا بجدوى مشاركتهم فيه.
أما الوجه الثالث فيكاد يكون أولى هذه الأوجه بالاهتمام، وذلك أنه لايكفي أن تقوم بالعمل المناسب إلا إذا كان في الظرف المناسب والوقت المناسب، وفي كثير من الأحيان لا تتأتى الظروف والأوقات المناسبة إلا لماما ثم لا تلبث أن تمضي سريعا، ولذا وجب اقتناص الفرص متى ما سنحت، فالشروع في الاصلاح بإقامة نظام سياسي جديد عمل ضخم يلعب فيه التوقيت دورا حاسما. يذكر فرانسيس فوكوياما ، في كتابه “بناء الدولة: الحوكمة والنظام العالمي في القرن الحادي والعشرين” مايلي:
“معظم الحالات الناجحة لعملية بناء الدولة أو الاصلاح المؤسسي حدثت عندما توّلد لدى المجتمع طلب داخلي قوي للإصلاح، ومن ثَم تم ايجاد المؤسسات التي تؤدي تلك المهمة، إما عن طريق انتاج تلك المؤسسات محليا، أو عن طريق استيرادها بالكامل من الخارج، أو عن طريق موائمة نماذج المؤسسات الأجنبية مع الأوضاع المحلية. والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها أوروبا في بدايات العصر الحديث، والولايات المتحدة الأمريكية بعد الثورة الأمريكية، وألمانيا وتركيا واليابان بعد القرن التاسع عشر، وكوريا الجنوبية وتايوان في الستينات، وتشيلي في السبعينات، ونيوزلندة في الثمانينات. فإذا توّلد طلب داخل كافي، فسيتبع العرض الطلب، مع اختلاف قد يطرأ على نوعية العرض من وقت لآخر. ويبقى ضعف الطلب الداخلي على الإصلاح المؤسسي، العقبة الكؤود في سبيل الإصلاح المؤسسي والتنمية في الدول الفقيرة، ذلك لأن ظهور هذا الطلب، عادة ما يكون نتاجاً لأزمة أو ظروف استثنائية ما، تفتح النافذة للإصلاح لفترة وجيزة “.
واذا اتفقنا على أننا نقف حاليا أمام لحظة مفصلية فارقة من تاريخ السودان، تبشّر ببداية جديدة أو تنذر بنهاية أكيدة للدولة السودانية العتيدة، استنفد فيها البرادايم القديم للدولة السودانية كل أسباب البقاء، وبات الباب مفتوحا لإفتراع نهج جديد، وأنموذج جديد للدولة السودانية. وجب علينا إذا انتهاز الفرصة للشروع في اجراء الاصلاحات المطلوبة لإرساء دعائم نظام سياسي جديد يؤرخ لمرحلة جديدة للدولة السودانية. هذا أو الطّوفان.
omarharoon99@hotmail.com