أهل القانون، ودورهم المنتظر في تجاوز الأزمة السودانية  .. بقلم: عبد القادر محمد أحمد/المحامي 

————————
اطلعت علي ما ورد في تعميم صحفي، علي خبر مفاده أن بعض الكيانات الحقوقية قد إجتمعت مع ممثلين للجنة التفكيك، وتناقشوا حول المذكرة المقدمة من منفذي الوقفة الاحتجاجية المطالبة بإصلاح المنظومة العدلية وتفيكيك بنية التمكين، وأنه قد تم التأمين على ازالة التمكين في المؤسسات العدلية بأسرع ماتيسر، لأن الملف العدلي هو أساس التحول  الديمقراطي.
ولما كان هذا الموضوع يتعلق بمسألة ظلت مثار تناول وجدل في الوسط القانوني، فإنني ، ودون مساس بحق الكيانات المذكورة في التعبير عن رأيها، أجد في ذلك الخبر مدخلا مناسباً لتكرار وتوضيح رأيي :-
وأبدأ بالإتفاق بأن الملف العدلي ملف مفتاحي لكونه واحدا من أهم مطلوبات إعادة بناء الدولة  ليسودها حكم القانون بما يؤسس للإنتقال الديمقراطي الآمن، كما ان الإصلاح العدلي في جانبيه الهيكلي والقانوني، لن يتحقق ما لم يحدث إصلاح حقيقي للكادر البشري، ومن أهم مطلوبات ذلك تفكيك بنية التمكين.
النقطة محل الإختلاف : ماهي الآلية المناسبة لتنفيذ مهمة التفكيك داخل الأجهزة العدلية (مفوضية الإصلاح، أم لجنة التفكيك)؟ حسم ذلك  يكون بالإحتكام للوثيقة الدستورية كمرجعية لا بد منها، ونجدها قد نصت ضمن مهام الفترة الانتقالية على تفكيك بنية التمكين داخل مؤسسات الدولة، ثم صدر قانون التفكيك وعهد تنفيذ هذه المهمة للجنة حدد تشكيلها، وبطبيعة مهامها فإنه لا يضيرها أنها تتكون من سياسيين وحزبيين .
كما نصت الوثيقة ضمن المهام الإنتقالية على إعادة بناء المنظومة الحقوقية وإصلاح قوانينها وضمان استقلال القضاء، ثم صدر قانون مفوضية إصلاح المنظومة العدلية، وعهد تنفيذ هذه المهمة لمفوضية تتكون من منسوبي الأجهزة العدلية وخبراء قانونيين من خارجها.
صحيح قانون التفكيك المعدل  شمل الأجهزة العدلية لكنه في هذه الجزئية خالف الوثيقة الدستورية، التي تنص على مبدأي إستقلال القضاء والفصل بين السلطات، بالتالي لا يعقل أن يترك أمر القضاء للجنة يغلب علي تكوينها الطابع السياسي الحزبي. وفي الوقت الذي ننادي فيه بإصلاح وإعادة بناء الأجهزة العدلية وتحقيق إستقلالها، كيف لنا أن نتمسك بنص مخالف للوثيقة، تطبيقه يؤدي الي نسف ما تبقى للقضاء من إستقلال وكرامة وهيبة .!!
ثم إن إصلاح الكادر العدلي ليس  بإزالة التمكين فحسب، لكنها عملية معقدة لها عدة جوانب ومطلوبات تحتاج للدراسة والتأني، وهناك أيضا الإصلاح المؤسسي والقانوني، فلماذا لا يترك الأمر كله للجهة المختصة وهي تملك الأدوات بحكم تكوينها وما أتاحه لها قانونها من سلطات وصلاحيات. ؟!
وحتى بالنسبة للمفوضية في رأيي، يجب أن يقتصر دورها في وضع ضوابط دقيقة لمفهوم التمكين داخل الأجهزة العدلية وكيفية إزالته، ليتم التنفيذ بواسطة منسوبي كل جهة تحت إشراف المفوضية، بصورة تضمن وجود كادر مستقل ومؤهل ونزيه.
جميعنا يعلم أن أساس النجاح في مهنة القضاء الرغبة والممارسة، فالرغبة تجعل القاضي يقبل بالدخل المحدود مع التحلي بآداب المهنة وأخلاقياتها، وفي بداية ممارسة المهنة يخطئ القاضي ويصيب وهو يقضي بين الناس في الدماء والأموال، إلى أن يشتد عوده ويكتسب الخبرة، فيصبح ملكا للمجتمع ورقما في مكونات (السلطة القضائية)، وجوده يدعمها وذهابه ينقصها. وذات القول ينطبق على منسوبي النيابة العامة.
بهذا الفهم فإن عملية إزالة التمكين يجب أن تتم بمنتهى الحرص والشفافية، بعيداً عن الاستهداف وبعيدا عن التعاطف  وبالآلية المناسبة التي تحرص على تحقيق الهدف المنشود، حتى لا نقوم بالمزيد من الهدم من حيث ننشد إعادة البناء.
لا يخفى على أحد أن الفشل الذي لازمنا ولا يزال في تحقيق المهام  الإنتقالية، جعل الثورة تمر بأزمات في غاية التعقيد، فأصبحت أكثر عرضة للتحرش من الداخل والخارج، ولتجاوز  هذه المرحلة الحرجة علينا أن نحافظ على وحدة قوى الثورة وكل الأفراد والكيانات الحريصة على الإنتقال الديمقراطي، وأن نحرص على الحوار الديمقراطي الايجابي بعيدا عن الشطط في الرأي، فليس من الحكمة المراهنة بالرأي في مثل هذه الأوضاع، فقد يتبنى أحدنا موقفا بحرص صادق على المصلحة العامة ولا يمر يوم الا ويكتشف خطأ موقفه، فيعود ويتبنى موقفا آخر ثم يكتشف انه يدعم خطا يسعى لاجهاض الثورة، فيدخل في حيرة من أمره.!
لذلك فإن المخرج الآمن في التواضع والإستماع للرأي الآخر، فمهما شابه من خطأ فالرأي الصائب يخرج من رحم الرأي الخطأ.
ثم في مثل هذه الأوضاع يبقى المنتظر من أهل مهنة القانون، بإعتبارها مهنة الصبر والتأمل والرأي والرأي الآخر، أن يتقدموا الصفوف ويساهموا في تجاوز الأزمات وتخطي الإخفاقات، وحتى يكون في مقدورهم القيام بهذا الدور عليهم أن يتحلوا بالتجرد والحكمة وأن يحرصوا على الإستماع للرأي الآخر دون أن يصيبهم داء التخوين وشهوة التجريح .
ما دعاني للتذكير بأهمية دور القانونيين ومطلوباته، ما كتبه أحدهم في حق الزميل المحترم مولانا سيف الدولة حمدنا الله، من إتهامات يعلم الكاتب قبل غيره أنها باطلة وأن سببها الخلافات الفكرية بينه ومن تعمدوا صناعة وإشاعة تلك الفرية، ورغم ثبوت كذبها وبطلانها في حينه لكن ظل الحقد أعمى.
لقد كان مولانا سيف في أول قائمة الإنقاذ للصالح العام المفترى عليه، فآثر الهجرة لكنه لم ينزوي بل ظل يساهم وبصورة فاعلة في إحداث الوعي العام بفكر وفهم واعي وبقلم سيال وحصيف، ثم ظل يشارك في رصد ممارسات الإنقاذ في مجال الحقوق والحريات، وإعداد المذكرات التي تفضح تلك الممارسات، ورفعها لكافة الجهات المعنية والانقاذ حينها في قمة سطوتها وجبروتها، وحتى هو خارج وطنه تعرض للمضايقات والتهديد بالإبعاد، لكنه لم يستسلم بل ظل ممسكا بقلمه إلى أن تفجرت الثورة وحتى اللحظة.
ورغم ذلك فإن المشكلة الأكبر ليست في شتم الناس بالحق أو بالباطل، فالأهم هو أن ننتبه جميعا  لخطورة أن يلج أحدنا ساحة العمل العام ويسعى لفرض رأيه بمحاولة إغتيال الرأي الآخر وبإدعاء أنه الأحرص على الثورة دون الآخرين، والمؤسف المضحك أن من يريد فرض رأيه في حالتنا هذه لا يملك حتى شجاعة كتابة إسمه فيتخفى خلف إسم مستعار، ويهدد بالمزيد في حالة الرد عليه ويتوعد آخرين، معتقدا بأن ذلك هو الأسلوب الصحيح لإسكاتهم وفرض رأيه.!!!
هذا المقال دعوة صادقة لنفسي ولغيري من أهل القانون، بأن يكون لنا  الدور الأكبر في تجاوز هذه المرحلة الحرجة وأن نساهم بفعالية في إعادة بناء الدولة، ولن يكون ذلك في مقدورنا مالم نسوي صفوفنا ونقبل ببعضنا ونجاهد ما  بدواخلنا من نواقص لا تناسب من يريد أن يتصدى للهم العام.
aabdoaadvo2019@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً