أوراق قديمة (12) .. بقلم: د. مصطفى أحمد علي/الرباط

قرأ في طفولته مقولة منسوبة إلى ابن عباس، رضي الله عنه: ” لم أر حقا أشبه بباطل من الموت !”هاله وهو من نشأ على حب العربية و استكشاف أسرارها، ما في هذه الكلمة من صدق و من بلاغة و من إيجاز، ثم ما فتئ يرددها كلما دعاه داع للتبصّر و التدبّر و التفكّر و الأناة…كان يجد فيها عزاء و سلوى وشجى و راحة في كثير من طوارق الحياة وهمومها…ثم انتقل إلى أوربا و قضى فيها نصيباً من زهرة عمره وألق شبابه، ابتلي فيها بشتى ألوان البلاء،  ومن ألوان البلاء هذه ،التعلق و العشق . قالوا: ثم إنه رأى صروحاً من الهوى تتداعى و تندثر، بعد أن كانت ملء القلب والعاطفة و الشعور. وكان يفزع إذ يحزبه الأمر إلى الأوراق يودعها بثه و شجاه. و كان يفزع إذ يحزبه الأمر إلى مقولات ودرر أقوال حفظها وتمثلها وسكن إليها في طفولته وصباه، يلتمس السلوى والعزاء..و نظر فيما نظر، إلى مقولة ابن عباس تلك، فبدا له أن يحوّرها فيقول:”لم أر باطلاً أشبه بحق من العشق” !
ساقته أقداره إلى الرباط ، وبدأ يحسّ مذ وطأتها قدماه بشيء من الانطلاق والتجاوب مع ما حوله من أشياء وكائنات .لا يعني بما قال أنه كان نافرا في بدء أمره، لكنّ ما عاشه من اضطراب وقلق وجهد خلال أيامه الأخيرة بالخرطوم، جعله كالسقيم وهو يبدأ أيامه بالرباط، شأنه شأن من شفي من علة، فاحتاج إلى أيام من النقاهة تنطلق بعدها عافيته.لم يندهش لشيء ولم يستغرب شيئاً، فالصورة التي استقرت منذ زمان في مخيلته لم تختلف عما أضحى ماثلا أمام أعينه.ملامح الناس وهيئاتهم كان يعرفها، وموسيقى كلامهم وانفعالاتهم وطبائع مشاعرهم ألفها منذ زمان بباريس ومغاني شبابه بنواحيها.غمره منهم جلال ونبل بدا له أجلى وأوضح مما ألف وخبر.هم هنا سادة بينما كانوا هناك غرباء وافدين!
عندما هبط أمام محطة الرباط صباح السبت 17 مارس، استقبلته المدينة برائحة طيبة تنفذ إلى الحواس ولا تستأذن…تجاوب معها وأسرّه التأنق البادي في دورها وبساتينها ومسارحها، وأحسّ بطعم طريف لما حوله من أشياء، حتى صلاة العصر حينما أدّاها في مسجد من مساجد المدينة القديمة،رقت مشاعره وتوقفت لبرهة عند حافة البكاء وغشيته سمادير وأخيلة وأطياف قديمة منبعثة من أكناف الزمان وحنايا التاريخ.
 التقاليد المالكية هنا، بدت له على غير ما كان يألف في السودان.
الرباط، مارس1990

alkhandagawi@yahoo.fr

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً