صحيفة “الانتباهة” الأحد 8/5/2016
بحصافة
بعد غيبة إختيارية عن الكتابة الصحافية للتأمل والتدبر فى كثير من الأمور الخاصة والعامة، قررت العودة الى الكتابة الصحافية، وأسأل الله تعالى أن تكون عوداً أحمد ، استشعاراً مني بضرورة التواصل مع القارئ الكريم فى البحث عن معالجات لكثير من القضايا الوطنية التي تنداح فى همومنا واهتماماتنا مُلحه بقدر ملحوظ فى حثنا على الاجتهاد والمثابرة للوصول إلى تلكم المعالجات التىي تشكل دوائر اهتمام الرآى العام وهمومه.
وأحسب أن الإطلالة من منبر صحيفة “الانتباهة” التى تستشرف آفاق تطورات وتجديدات استقبالاً لمرحلة جديدة أعدت عدتها فى التكيف مع أحداث هذه المرحلة، خبراً وتحليلاً ورأياً، لتسهم مع رسيلاتها الأُخريات فى تشكيل رآى عام حول قضايا الوطن وهموم المواطن. فعلى الرغم من أن رؤوس المواضيع تتزاحم عليّ لإختيار الموضوع الأول الذى استهل به هذه الكتابة الصحافية الراتبة، الآ آنىي إخترت موضوع المفاصلة بين أحمد داؤود أوغلو رئيس الوزراء التركي ورسيله في حزب “العدالة والتنمية” الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لجملة أسباب: الأول أن تركيا بلد حققت فيها التجربة السياسية الإسلامية نجاحاً كبيراً، سياسة واقتصادا، نحرص على متابعتها، وننشغل باعتبارنا مسلمين بأحداثها وأمورها، تنزيلا لقول الله نعالى: “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”، وتصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من بات ولم يشغله أمر المسلمين فليس منا”. والثاني: متانة العلائق التى تربط بلادنا بتركيا، سياسياً واقتصادياً وثقافياً. والثالث: أن تركيا تشكل لكثير من المسلمين الحلم الإسلامى على غرار الحلم الأميركي. والرابع: أن صحافتنا – هداها الله – غارقة فى الشأن المحلي دون أخذ العظة والاعتبار والدروس والإفادة من التجارب والمقاربات من الشأن الخارجي، فبعضها يتناول الشأن الخارجي، قرب أو بعد، بأساليب قلما تفيد القاريء. فوددت بقليل جهد لفت الانتباه للتجربة التركية في الحلم بمنظور إسلامي متجدد التى تحقق النجاحات دون الاغفال عن العثرات والعمل على النهوض من الكبوات، حتى الخلاف الذي هو من السنن الكونية، يجب أن نعرف كيف يُدار، لكي لا يكون فيه فجور في الخصومة التي نهانا عنها الدين، وينبغي أن يعصمنا منها التدين.
فلندلف قارئي الكريم بعد تقدمة هامش التبيان إلى مضمون مقال البيان.
نشب خلاف بين أحمد داؤود أوغلو رئيس الوزراء التركي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أفضى هذا الخلاف الى تقديم أوغلو استقالته من رئاسة حزب “العدالة والتنمية”، وبالتالي من رئاسة الوزراء، وذلك من خلال عدم ترشيحه مجددا لرئاسة الحزب الحاكم في تركيا، عند انعقاد المؤتمر الاستثنائي للحزب يوم الاثنين 22 مايو الحالي لاختيار زعيم جديد، مما يعني انتهاء فترة تسنمه منصب رئيس الوزراء في تركيا.
وأحسب أن نهايات هذا الخلاف بهذه الترتيبات اللائحية المنظمة لأعمال حزب “العدالة والتنمية”، ان لم يحدث ما ينهيه في مبتدئه، تؤكد المؤشرات والايضاحات أنها مفاصلة باحسان. والمأمول ألا تكون فيها كثير مرارات ومُشاحنات. ولا أظن وليس كل الظن اثما، أنه من المرتقب أن تتبع هذه المفاصلة مرارات تُعمق الشقاق بين منظر الحزب وفيلسوفه أوغلو وقائد الحزب وموجه مساره ومسيرته أردوغان. وحجاجي في ذلك، ما قاله أوغلو في مؤتمر صحافي يوم الخميس الماضي، داحضا ما جاء في بعض تقارير الوسائط الصحافية والاعلامية عن وجود توترات بينه وبين الرئيس التركي أردوغان، “لا تتوقعوا مني كلمة واحدة بحق رئيس الجمهورية، شرفه شرفي، نحن أبناء القضية نفسها، وعائلته عائلتي، ولن أسمح لأحد بفتح باب الفتنة”.
وتحدث أوغلو عن الحزب الحاكم، قائلا: “حزب العدالة والتنمية” ليس حزبا لتركيا فقط، فقدره قدر للمنطقة كلها، فقوة الحزب واستقلاله الضمانة الأكبر لاستقلال المنطقة وأي جهة تحاول فتح ثغرة بالحزب سأقف بوجهها.. ولن أعطي أحدا فرصة تقسيم الحزب لمجرد أن شخص ما – حتى لو كنت أنا – قد شعر بشيء يسيء له”.
مما لا ريب فيه، أن هذه الحيثيات والمؤشرات تؤكد ما ذهبت اليه من أن مفاصلة أوغلو – أردوغان ستكون مفاصلة باحسان، لأن كليهما يعلمان أن تجربة الحكم بمفاهيم اسلامية ليست محل رضا في الغرب، وان حققت رضا شعبيا واسعا داخل تركيا. وهما يعلمان علم اليقين أن جهات كُثر داخل تركيا وخارجها تترصد مثل هذه الخلافات لتوسيع شُقتها من أجل احداث شقاقات بين زعماء حزب “العدالة والتنمية”، ومن ثم يسهل الانقضاض على التجرية كلها. وهذا ليس ببعيد عن أذهان المراقبين للشأن السياسي التركي داخل تركيا وخارجها.
من الضروري أن أبسط القول في أن تجربة الحكم بتنزيل بعض المفاهيم الاسلامية في تركيا، بعد علمنتها من قبل كمال أتاتورك، لم تكن وليدة تجربة حزب “العدالة والتنمية” بقيادة أردوغان، فقد سبقتها وهي تُعد ربيبة لها، أقوى تجربة للحكم بمفاهيم اسلامية في تركيا منذ دخولها الحفبة العلمانية بزعامة كمال أتاتورك الذي بدأ في عام 1924 في علمنة الدولة، وابعادها عن الاسلام، نظام حكم ومظاهر تدين، وقد حمل لواءها الزعيم الإسلامي الكبير نجم الدين أربكان، ولكنها أُجهضت في مهدها، وهي التجربة التي نشأ في رحمها حزب “العدالة والتنمية”. ومن نُسِب منهم إلى العاطفة الإسلامية كعدنان مندريس رئيس الوزراء التركي الأسبق الذي أعاد الآذان باللغة العربية. فقد دخل مندريس الانتخابات مرشحا للحزب الديمقراطي عام 1950 ببرنامج غريب آنذاك، توقعت له كل الدراسات الأميركية الفشل المطلق، اذ لم يتضمن البرنامج سوى عودة الآذان باللغة العربية، والسماح للأتراك بالحج، واعادة انشاء وتدريس الدين بالمدارس، والغاء تدخل الدولة في لباس المرأة. وكانت النتيجة مذهلة، حصل حزب أتاتورك على 32 مقعدا، بينما فاز الحزب الديمقراطي ب 318 مقعدا. وفي انتخابات عام 1954 هبط حزب أتاتورك الى 24 نائبا في البرلمان، واستكمل مندريس المسيرة. ولم يوقف هذه المسيرة الاصلاحية الهادرة في تركيا الا انقلاب عسكري قاده الجنرال جمال جو رسل عام 1960، كانت نتيجته شنق عدنان مندريس وفطين زورلو وحسن بلكثاني. وكتب الصحافي التركي سامي كوهين: “لقد كان السبب المباشر الذي قاد مندريس الى المشنقة، سياسته التي سمحت بالتقارب مع العالم الاسلامي، والجفاء والفتور التدريجي في علاقتنا (تركيا) مع اسرائيل”. ولا ننسى تجارب أوزال أو ديميريل اللذين كانا يعلنان اعتناق العلمانية، وكانا ليبراليين يفتحان المساحة لبعض المظاهر الإسلامية من منطلق الحريات، الحريات التي يستلزمها موقع تركيا كعضو في المعسكر الغربي الليبرالي ضد المعسكر الشرقي الشيوعي، وفي حين انتهى مندريس نهاية درامية بإعدامه، انتهى أوزال نهاية نصف درامية بموت مشكوك فيه، وانتهى ديميريل نهاية عادية بذوبانه في النظام وأفول نجمه، ثم كانت الإثارة كلها متكثفة في الحياة الحافلة لنجم الدين أربكان. على أنه ينبغي أن نقول بانه لولا راديكالية نجم الدين ما سطع نجم أوزال ولا أفل نجم ديميريل ولا ظل نجم مندريس ذكرى تثير الشجون الإسلامية في تركيا.
أخلص الى أن هنالك ثمة تساؤلات تُطرح الآن في تركيا عقب اعتزام أوغلو عدم تجديد ترشيحه لرئاسة حزب “العدالة والتنمية”، منها هل يؤدي ابتعاد أوغلو عن صناعة القرار السياسي في الحزب والحكومة تراجع أردوغان عن سياسته في سورية؟ وهل ينجح أردوغان اذا أُجريت انتخابات مبكرة في أكتوبر المقبل في الحصول على 50 مقعدا اضافيا، بحيث يحصل حزبه على أغلبية الثلثين في البرلمان (550 مقعدا)، وهو الذي يملك حزبه حاليا 317 مقعدا، الأمر الذي يمكنه من تعديل الدستور، ليجعل نظام الحكم رئاسيا؟ ما زالت الأيام حُيلى بكثير مفاجآت في الشأن السياسي التركي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم