حدثت القطيعة بين الإسلام والعلم في عشية هزيمة مشروع الإعتزال الداعي لتبني المنهج العقلي في تفسير وتأويل النص. عزز ذلك إنتصار السلطة السياسية لمشروع المذهب الأشعري المناهض لفلسفة المعتزلة والداعي لسيادة النص المطلقة علي التفسير والتأويل. في أعقاب ذلك تكالب مفكرون إسلاميون من أمثال أبوحامد الغزالي، إبن تيمية ، وإبن قيم الجوزية إلي المعسكر المعادي لمبدأ حرية الفكر والبحث، والتي من بعدها سيطر الركود الفكري والحضاري على المجتمعات الإسلامية، ودخل العقل الإسلامي في ثبات عميق تخللته صحوات متقطعة علي حقيقة التقدم المادي والتفوق التكنولوجي للحضارة الغربية، وذلك بفضل العلم وتطبيقاته التي تخدم رفاهية الإنسان وسعادته [1].
فيما يتعلق بموقف التفكير المعلن والإيجابي من القصور الذاتي والركود الثقافي والمحاولات الجادة لإصلاحه، مثل مصطلح “أسلمة المعرفة” مجموعة الأنساق الفكرية التي هدفت إلى بناء مشروع نهضة إسلامي يرمي لمعالجة قضايا الإنسان المسلم وإخراجه من حالة الركود الثقافي والمادي الذي يعيشه. أما فيما يتعلق بالحكم الأخلاقي علي مسؤولية الأخر، في الحضارة الغربية، عن حالة الركود الثقافي والحضاري الذي تعيشه الذات المسلمة، مثل مصطلح “أسلمة المعرفة” البديل الإنساني لمشروع النهضة الغربي- العلماني، وردة الفعل المعاكس لتحيز الحضارة الغربية لقيم ومفاهيم محيطها المحدود، والتعبير عن الإعتقاد السائد في إستنادها إلي منهج ينحصر في قراءة العالم المادي ويتجاهل معطيات المجتمعات الإسلامية. وفي كل الفرضيتين، كان دافع اللحاق بالحضارة الغربية هو الطاقة المحركة لفلسفة أسلمة المعرفة أكثر من كونه ثمرة جهد إنطلق من فرضيات وملاحظات مستقلة أُستنبطت من داخل محيط المجتمعات الذي ترمي لتغييرها.
إبتَدَر المفكر الماليزي د. سيد محمد نقيب العطاس مشروع أسلمة المعرفة وسار في ركبه بعض من المفكرين الإسلاميين المعاصرين – مثل المفكر الإيراني-الأمريكي سيد حسين نصر والمفكر الفلسطيني – الأمريكي إسماعيل الفاروقي. تَمَحورت منظومة الأفكار الداعية لأسلمة المعرفة حول مفهومي “الإعجاز العلمي في القرآن” التي تقول بالبحث عن المعرفة والعلم بين سطور الكتاب المقدس، ومفهوم “أسلمة العلوم” الذي يفرق بين “الفكر الإسلامي”، بإعتبار تَضْمينهُ لعلم العقيدة والحياة، و”الفكر العلمي” الذي يحتوي علي معرفة العلوم الأخري- الغير إسلامية. لأسباب واقعية وعملية، ساد مصطلح “أسلمة المعرفة” الذي يستند إلي مبدأ تعميم الإستنتاج المنطقي القائل بأن ” كل المعرفة أصلها الإسلام”؛ أي أنه يجب البحث عن كل أنواع المعرفة، من علوم الطبيعة وغيرها، وبغض النظر عن تقسيمها لفكر إسلامي و فكر علمي، في ما بين طيات كتاب القرآن – فكافة العلوم والإختراعات هي هبة من جلال الخالق ولا فضل لإنسان بها على آخر طالما أن العقل والإسلام يجسدان إرادته وملكوته.
يصنف علم “نظرية المعرفة” الحديث ( الإبيستيمولوجي) المعرفة المستمدة من مصادر الوحي المباشرة من ضمن “المعارف المُسْبَقة” التي يُفْترض وجودها كجزء من عملية الخلق أو البناء الحيوي للإنسان وبالتالي تغنينا عن البحث والإجتهاد في معرفة طبيعتها ومحاولة إكتشاف النظم والقوانين التي تتحكم في إنتاجها. أما المعرفة الللاحقة فتقع من ضمن ما يُعرف ب”المعرفة المكتسبة” – أي المعرفة التي يتتحصل عليها الإنسان بعد أن يتحقق وجوده المادي. ولتعريف الشيء بضده، وإذا كانت معرفة العقيدة والدين أُحادية، ثابته، متواترة، توجد في سياق زمني متناهي وإجتماعي غير محدد المعالم، وتتطلب الإيمان والتسليم المسبق بوجودها، فإنَّ المعرفة التي تقوم علي نظام التعليم العلماني تُؤسَّس علي مبدأ الشك والتساؤل والتجريب – وهي في جوهرها نسبية بشروط وقيم أخلاق المجتمع وحاجاته؛ غير متواترة؛ قابلة للتعديل والتحوير من غير أية شروط مسبقة، ومحدودة في سياقها الزمني – الإجتماعي.
أُستخدمت عبارة “أسلمة المعرفة”، في سياق التطبيق العملي، لأول مرة، من قبل بروفيسور سيد محمد النقيب العطاس، الفيلسوف الإسلامي- الماليزي، وذلك في كتابه “الإسلام والعلمانية”, الصادر في عام 1931، في العاصمة الماليزية كوالا لامبور [2]. أما في كتابه “مفهوم التربية في الإسلام: إطار لفلسفة التربية الإسلامية” [3] فقد وصف بروفيسور العطاس التعليم (المعرفة) بأنه “الغرس التدريجي للإدراك والتسليم بالوضع المناسب لمكان الأشياء في ترتيب الخلق, بحيث يؤدي ذلك إلى الإدراك، والتسليم بالوضع المناسب لمكان وجود الإله، ومن ثم إلي معرفة الفرد لمكانه في ترتيب الوجود في كلياته”. بمعني آخر، إفترض العطاس إن تجليات مظاهر التربية الإسلامية التي تتمثل في التقيد بتعاليم كتاب القرآن ستقود لأسلمة العقل والجسد والروح، وستوجه الإنسان, في نهاية المطاف, إلى معرفة مكانة الإله في ترتيب الكون والوجود. وأضاف، “أن مفهوم التعليم ليس محصورا في نظرية المعرفة فقط، بل يتعدي ذالك ليشمل نظريات أخرى ومفاهيم منها الأخلاق ، لذالك يعتقد أنه من ضمن الأهداف السامية للتعليم هو تتناسقه مع خصائص الإنسان. هذا التناسق ليس فقط بالأفكار والأفعال، أو بالغريزة والمنطق بالعاطفة والشعور، لكن، أيضا، بعمق المعرفة وجمال الخصائص [4]”.
في الوقت الذي لم يوضح بروفيسور العطاس كيفية إنشاء نظام تربية وتعليم بناءً علي تعريفه لأسلمة المعرفة، إقترحت مواطنته الماليزية، والباحثة الإسلامية، بروفيسور روزاني هاشم، في كتابها “ثنائية التعليم في ماليزيا: الآثار المترتبة على النظرية والتطبيق”، إنشاء نظام تعليمي إسلامي يستند إلى تعريف واضح ومحدد لطبيعة المعرفة الإسلامية [5].
أورد د. سعيد عبيدي في مقاله “أسلمة المعرفة: المفهوم والمشروع” أن د. إسماعيل الفاروقي عَرَّف ’أسلمة المعرفة‘ علي إنها تمثل عملية “إعادة صيّاغة المعرفة على أساس علاقة الإسلام بها. بمعنى إعادة تعريف المعلومات وتنسيقها و التّفكير في المقدّمات والنّتائج المتحصّلة منها، وأن يُقَوَّم من جديد ما أُنتُهِيَ إليه من إستنتاجات، وأن يُعاد تحديد الغرض والأهداف منها. على أن يتمّ كلّ ذلك بطريقة تجعل تلك العلوم تثري بالتّصوّر الإسلامي، وتخدم قضية الإسلام، ووحدة الحقيقة، والمعرفة، والإنسانية، والحياة، والطّبيعة الغائيَّة للخلق وتسخير الكون للإنسان ولإدراك الحقيقة وتنظيمها.”[6].
في رده على ما أسماه ” توعك الأمة ودمج النظامين التربويين”، ألقي المفكر والباحث في علم اللاهوت، ألأمريكي- الفلسطيني الأصل، ومؤسس المعهد الدولي للفكر الإسلامي، الذي مقره الولايات المتحدة، د. إسماعيل راجي الفاروقي ، نائحة اللوم على فلسفة حركة الحداثة الغربية في “فصل الواقع البيئي والإجتماعي للدول الإسلامية”. و ذهب إلى أبعد من ذلك، ومن نفس منطلق بروفيسور هاشم، لينتقد نظم التعليم المزدوج في الدول ألإسلامية التي إستثنت المعرفة العلمية الحديثة من نطاق مشروع الأسلمة. وفي رأي د. الفاروقي، إن إزدواجية نظام التعليم تعزز الإنقسام القائم بين العلوم الطبيعية والإنسانية، وتطرح تساؤلات جادة على صلاحية هذه المعارف. وفي هذا تكون المعارف الإسلامية، في نظر د. الفاروقي، “ليست معرفة من أجل المعرفة، فحسب”، ولكنها معرفة “تتماشي مع تعاليم القرآن ونواميس الحياة والكون؛ معرفة لا تسيء إلى السابقين من علماء ألإسلام؛ تحرر المجتمعات الإسلامية؛ تضع الأخلاق قبل المعرفة؛ تشجع ألإجتهاد وتحث علي استخدام الأساليب العلمية الإسلامية [7].”
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم