أين روح السلام في اتفاق جوبا؟

 


 

د. النور حمد
12 December, 2020

 


صحيفة التيار ١٢ ديسمبر ٢٠٢٠
السلام ليس كلمات مرقومة توضع على الورق في صورة اتفاق أو ميثاق، وحسب. أيضا، هو ليس مصفوفة من الخطوات المجدولة التي تنتظر الإنجاز. هو ليس هذا ولا ذاك وحسب، وإنما هو قبل ذلك، وفوق ذلك، تغيير روح الشراسة التي سادت طويلا واقتضها ضرورات القتال، بروح جديدة مسالمة. وينبغي أن تنعكس هذه الروح في الخطاب الذي يعقب اتفاق السلام. غير أن ما شاهدناه وسمعناه في عدد من التسجيلات الصوتية والمرئية التي جرى تناقلها بكثافة من على وسائط التواصل الاجتماعي، عكس أن الشراسة تزداد، وأن لغة الخطاب قد انتكست، فأصبحت أكثر عدوانية وحدة، مما كانت عليه قبل توقيع الاتفاق. بل أن نبرة التهديد والوعيد تتصاعد. هلل الناس للسلام وأقاموا له احتفالا ضخما وانخرطت وسائل الإعلام الحكومية في التغني به. وظهر قادة الحركات المسلحة في كل الأقنية الإعلامية مبشرين الجميع بقدوم السلام، لكن أخذت تلك الصورة تتغير.
لم يمض شهر واحد، حتى اتضح أن روح السلام مفقودة تماما. أظهرت بعض القيادات الكبرى في الحركات المسلحة عداء حادا للمكون المدني في الشراكة. وهو مكون منصوص على دوره في الوثيقة الدستورية التي جرى إدراج اتفاق جوبا في متنها. أما بعض القيادات الوسيطة فقد انخرطت في التهديد والوعيد بما أسمته نقل الحرب إلى المنشية والرياض، بل وإلى عتبة كل دار في العاصمة. هذا في حين تقتضي هذه المرحلة بالغة الحساسية أن يتسم الخطاب السياسي بالانضباط وبالمسؤولية. وينبغي على القيادات العليا في الحركات المسلحة أن تلزم القيادات الوسيطة بحدود واضحة للغة الخطاب السياسي، اللهم إلا إن كانت القيادات العليا، نفسها، تود أن تستثمر في هذا الخطاب الحاد الملتهب. إن السلام الذي يجري فرضه بلغة التهديد والوعيد، إن كان ذلك ممكنا حقا، ليس سلاما. وإنما هو سلام صوري زائف يحمل بذور فنائه في داخله. وعادة لا تخرج لغة التهديد والوعيد من قائد سياسي محنك واثق من نفسه، وإنما تخرج ممن يستولي عليهم الشعور بالإحباط، بسبب مختلف إكراهات الواقع المتسم بالتعقيد السديد، فينزلقون بسرعة إلى الحنق ونفاد الصبر.
هناك تلكؤ واضح وبطء من جانب السلطات في كل شيء. وسبب ذلك روح "المكاجرة" السائدة. وقد حاول الفريق البرهان أن ينحي في خطابه الأخير بلائمة الفشل على المكون المدني، وهو إنحاء جانبه التوفيق. فالمكون العسكري شريك أصيل في هذا الفشل، بل، ربما تحملو فيه القسط الأكبر. فهذه شراكة كان ينبغي أن ينهض طرفاها برتق الخروق معا، لا أن يحفر طرف منها للآخر حتى يقع ليجري إلقاء اللوم والتبعة عليه. الشاهد أن عقلية الإنقاذ التآمرية التخريبية العنيفة لا تزال تعيش بيننا في كل شيء. ولسوف لن نفلح أبدا مالم نستأصل شأفة هذه العقلية التآمرية التخريبية الخسيسة، ونتعلم كيف نعمل مع بعضنا نحو الأهداف المشتركة.
ختاما، علينا أن نعي دروس التاريخ، القديم منها والحديث. فالتهديد بحرب المدن والمضي نحو إشعالها، لن يكسب أي طرف من الأطراف نصرا مؤزرا. كانت بيروت الستينات ومطلع السبعينات مدينة وادعة يأتيها رزقها رغدا. فقد كانت قبلة للسياح الغربيين والشرق أوسطيين. ثم اندلعت فيها الحرب. وفي لمح البصر تحول الشباب البيروتي المعروف حينها بمخملية العيش وتتبع خطوط الموضات الغربية إلى مقاتلين بالغي الشراسة. تقسمت المدينة إلى دشم عسكرية تسيطر كل مجموعة عسكرية فيها على جزء منها. جرى تخريب المدينة تماما. ولم ينتصر طرف على آخر رغم الدمار الشامل. أضاع اللبنانيون 15 عاما في قتال الشوارع، وجلسوا في النهاية ليتفاوضوا ليعودوا للسلام. فهل نريد أن نضيف على عقود الاقتتال التي مضت سنوات إضافية من قتال الشوارع وكوارثه الفظيعة؟

 

آراء