أيُّ الدماءِ يزرفُ عليها المسلمون الدموع ؟! .. بقلم: ناجي شريف بابكر

 

يستكثر عليك بعض الناس هنا ان تحزن أو حتي أن تتظاهر بالحزن وإبداء التضامن علي القتلي والمصابين الابرياء العزل، من المواطنين الذين ظلوا يشاطروننا أوطاننا وحقوقنا الدستورية.. أو الآخرين الامنين بعهدنا وجوارنا.. حينما يكونون، هؤلاء أو أولئك، علي غير ديننا.. أو شرعتنا أو حتى طائفتنا.
.
ويستنكرون عليك هم أنفسهم في مقام آخر كونك لم تجهر بالعويل حزنا علي مسلم قتله أولئك الآخرون في أرضهم لا لشئ إلا لأنه يعبد الله على طريقته.. بل يستنكرون ذلك علي الناس كافةً، كما حدث حينما إنتظرنا من العالم بأركانه أن يأسى وأن يزرف معنا الدموع، حينما قتلت بذور الكراهية أسرة مسلمة بريئة تحت مرآب أرضي في شابيل هيل.
.
أتي ذلك في سياق التضامن والحزن وإستدعاء الرحمة في مقتل العشرات من إخواننا الأقباط وجرح آخرين، إثر عمليات آثمة إستهدفت المصلين منهم وهم يحتفلون بأحاد الشعانين، اليوم الأول في إسبوع الآلام، وذلك في كنيستي ماري جرجس في طنطا وكنيسة القديسين بالإسكندرية، في إعتدائين منفصلين ومتواقتين يوم أمس الأحد، لما في ذلك من جرأة علي حرمة الدماء وترويع للآمنين وتخريب للكنائس وبيوت الله.. فكلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله.
.
بعض الناقمين في ذلك التضامن إنما يفعلون ذلك في سياق التباكي وإهدار الدموع علي عشرة الاف من القتلي المسلمين العزّل في سيبرينستا، كانوا هم الآخرين قد قتلوا غدرا قبل عشرين عاما، وهم عزّل ينشدون الأمن والجوار بفصيل من القوات الدولية، كان المنوط به حمايتهم وإيواءهم لكنه خان أمانته، تقبلهم الله وأظلهم برحمته.. يتباكون علي أولئك القتلي وتخنقهم العبرات، في وقت لاتجدهم فيه يزرفون دمعة واحدة علي ستمائة ألف عراقي عربيّ مسلم، قتلتهم القاذفات الأمريكية وأراقت دماءهم، بتفويض وإجماع منهم مجتمعين، وهي تنطلق، أي تلك

القاذفات، من قواعد منحت لها علي بعد فراسخ من بيت الله الحرام.. وفي قاعدة العديد بالدوحة.. وفي قاعدة أنجرليك الجوية علي مسيرة بضع من الليل للراكب من إنجرليك إلى عاصمة الخلافة العثمانية. حقا.. فأي الدماء تستحق أن يزرف عليها المسلمون الدموع.
.
لا شك ان مجزرة سبرينستا من أسوأ الفظائع التي عرفها التاريخ.. وتواطأت فيها قوات حفظ السلام الهولندية بصورة واضحة حتي بدت أيديها مخضبة بالدماء.. مما أتاح الفرصة المواتية ومكّن للخفافيش وسفاكي الدماء ومروّجي الكراهية، من إحكام الخناق علي الضحايا.
.
لكن ماذا حدث بعد ذلك.. إعترفت الأمم المتحدة علانية بالتقصير والتورط، وبأن ما حدث في سبرنستا مثّل أفظع مذبحة عرفها التاريخ فيما بعد الحرب العالمية الثانية، وأنها جريمة تطهير عرقي بلا منازع.. ثم بعد تحقيق كاف تمت محاكمة كل من تورطوا في تلك الفظائع وتمت إدانتهم علي الأقل. فقد اعتقل رادوفان كاراديتش بواسطة قوات تابعة لحلف أطلسي، وهو الان يقبع في السجن محكوما بعشرات السنين..
.
لفظ سلوبودان ميلوسوفيتش أنفاسه مذموما مدحورا بينما كان يحاكم ازاء تلك الجرائم والآثام المشهودة، وقد أنقذته براثن الموت في المعتقل من العار الأبدي. ومن الإدانة الكاملة الوشيكة.. أنقذته من الحبس مدي الحياة.
.
قام المجتمع الدولي لاحقا، ربما محاولة منه للتكفير عن خطيئته والتزلف لأرواح الضحايا، قام بمناصرة قضية كوسوفو، وذلك من خلال دعمه لنضال المقاومة (ليبريشن آرمي) بقيادة هاشم ساجي ضد صربيا، بفرض غطاء جوي كثيف من المقاتلات التابعة لحلف الأطلسي، لحماية عمليات المقاومة الأرضية المواقته وبالتنسيق معها، واستخدمت القاذفات الأمريكية آنذاك قذائف اليورانيوم المخضب كسلاح محرم دوليا، لكنهم علي أية حال ضمنوا، لكسوفو حقوق شعبها المسلم في الحرية وتقرير المصير.
.
هذا ما فعله الغربيون وقامت به منظمات حقوق الانسان وعهودها، التي تتهكمون بها وتجدونها مدعاة للسخرية، هذا ما فعلوه في مواجهة مأساة سيبرينستا. وأعلم يقينا أن ذلك لا يكفي ولا يعوض دم الضحايا، وأنه جهد المقل !!.. لكن.. أروني ماذا فعلتم انتم.. أيها المسلمون.. هنا في الشرق الاوسط وفي العالم العربي؟.. ماذا فعلتم حينما ذُبحَ باسمكم 1200 إزيدي وهم نائمون في العراق في أمسية واحدة، إستعجلتم ليلتها إرسالهم إلي السماء، لأنهم يعبدون الشيطان كما أدعي قتلتهم، ماذا كان رد فعلكم علي دمائهم المراقة؟.
.
بل قل لي، ماذا أنتم فاعلون وقذائف تحالفاتكم الفاجرة تعمل تقتيلا في أطفال اليمن وتصليهم ليل نهار، بنيرانها بدلا من أن تُمد لهم الأيادي بالخبز والسلام. يُحكم علي أهل اليمن الخناق في المعابر البرية والبحرية والجوية، فلا طعام ولا شراب ولا دواء. حتي لبثوا تحت ظلمات بعضها فوق بعض. لماذا تستحلون دماء اليمنيين بدلا من مناصرتهم ؟ ألأنكم قد أُلقِمتم حجرا؟ أم لأنكم لا تستسيغون دين طائفة من أهله، فسولت لكم أنفسكم أن تقتلوا طائفة منه وتستحيون أخرى ؟ أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم إستكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ؟..إن أهل اليمن أرقُّ أفئدةً وألينُ قلوبا، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية.. أليس كذلك..
.
رغم ان أحدكم لا يتجرأ أن يقولها صراحة.. لكني اري أن من يستهجن ادانتنا لمقتل ابرياء في كنيستين كانوا عزلا يذكرون الله علي طريقتهم وهم آمنين.. لم يكونوا معتدين ولا سفاكي دماء، إنما هو غافل يشحذ النصال، ويفتل الحبال حول عنقه..
.
اتري ان الحزن علي دمهم حرام؟..

nagibabiker@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً