إثيوبيا: تنازل عن إريتيريا وابتلاع الصوماليين .. بقلم: خالد يوسف
khalidsf5@gmail.com
كلا القوميتين من أصول حبشية واحدة وتشتركان في الثقافة واللغة أيضا مع تباين في اللهجات، وتاريخيا شكلا كتلة اجتماعية واحدة، وعبر التراكم تشكلت خصوصياتهم والتي منحت لكل منهما ملامحه الخاصة، وهو ما أدى إلى بعض التمايز بينهما وبروز مفهوم الوطن القطري لديهم بصيغ منفصلة وهي إثيوبيا واريتيريا.
و خلال مرحلة الثورة الاريتيرية ومعارضة التجراي لنظام منجيستو هيلامريام، تكاتف الطرفين لمواجهة الحكومة الإثيوبية، وبفعل الجغرافية السياسية أصبحت المرتفعات الاريتيرية مركز لتلك القوى السياسية.
وقد ساهمت الجبهة الشعبية لتحرير اريتيرية في تأهيل رفيقتها التجراوية عسكريا، إذ قامت بتدريب الكثير من ميليشياتها المسلحة على الأراضي الاريتيرية، وتم خوض المواجهة العسكرية مع الحكومة الإثيوبية معا في العديد من الجبهات والميادين.
زار الرئيس الأمريكي جيمي كارتر السودان في عام ١٩٧٩ وقد التقى في مطار الخرطوم اسياس افورقي وميليس زيناوي، وشمل الحديث بين الأطراف الثلاثة كيفية صياغة الآفاق وأن لا يتم إسقاط الدولة الإثيوبية، والحشد لدعم شعبيتي التجراي واريتيريا، من قبل الولايات المتحدة.
وارتكز التعاون بين الطرفين الحبشيان مع أمريكا حينها، على الأعمال الانسانية، حيث حشدت كنائس امريكيه واوروببة لدعم التنظيمين ومؤيديهما.
يومها تم دحر جبهة التحرير الاريتيرية نحو السودان واستولت حكومة الخرطوم على ٣٧ طن من أسلحة الجبهة ومنعت عبورها الحدود مجددا(كما ورد في الأدبيات الاريتيرية)، ولاشك أن ذلك ذو صلة بتفاهمات الرئيس جيمي كارتر مع السودان وشعبيتي التجراي واريتيريا، وبذلك تسنى لشعبية اريتيريا أن تستفرد في الساحة الداخلية الاريتيرية عسكريا ومن ثم سياسيا.
وفي حين كان هناك تنسيق وتعاون بين الشعبيتين، فإن ذلك المنحى دفع الحكومة الإثيوبية بدورها لكي تستعين بميليشيات الحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي كانت عدة آلاف من قواتها تحمي نظام منجيستو هيلا مريام من السقوط والحيلولة دون تمرد الجيش الاثيوبي ضده.
ظلت مرحلة التسعينيات من أبرز مراحل التعاون بين الجانبين الاثيوبي والاريتيري، حيث تم التنسيق السياسي،العسكري،الأمني بين الدولتين بصورة كبيرة، وقد شمل ذلك الآفاق التي كرسها اللقاء السابق لرئيس جيمي كارتر مع حاكمي البلدين زيناوي وافورقي في الخرطوم.
نظرا لوجود العلاقات المتينة بين إثيوبيا واريتيريا خلال الفترة ١٩٩١-٢٠٠٨ فإن تصوراتهم في إطار سياستهم الخارجية كانت متماثلة إلى حدا كبير، كما أنهما كان على تماهي مع الولايات المتحدة ومصالحها في القرن الإفريقي، وهاجس القوى الثلاثة انطلق من محاربة الاسلام السياسي الصومالي والاريتيري.
اهتمت حكومة ميليس زيناوي في خلق واقع التدهور الأمني المستمر في الصومال والدفع نحو عدم استقرار البلد، ومارست المخابرات الإثيوبية كم كبير من أعمال الاغتيالات والخطف لضباط ومعارضين وناشطين سياسيين وغيرهم من الفعاليات الصومالية، وتم ذلك بصورة مباشرة من قبلها أو من خلال وكلائها الصوماليين.
ويضاف إلى ذلك أن الحكومات الإثيوبية كرست سياسات عملت على التقويض سيادة الصومال، حيث قامت بافتتاح مراكز مخابرات لها في كانتونات صومالية كمثال هرجيسا،برعو وجاروي، والتي منحت مسمى قنصليات، رغم إنها لم تعتمد من قبل الحكومات الصومالية الاتحادية.
وفي إتجاه أخر مارست إثيوبيا سياسة الأرض المحروقة في إقليم الاوجادين الصومالي، تجاه السكان وشنت هجمات منظمة عليهم وذلك بدافع تهجيرهم لضمان بناء خط أنابيب النفط وأعماله في أراضيهم.
وقضت السياسة الإثيوبية تاجيج قوميات الأورومو،العفر والأمهرة ضد الصوماليين، والنزاع معهم على خلفية نهب أراضيهم والعمل على تهجيرهم بغية التمدد على عليها.
أما الجانب الاريتيري لم يجد قضاضة في أن تمارس أديس أبابا سياستها في الصومال أو اوجادينيا بما يتفق مع مصالحها ودون الاكثرات لرفض الصوماليين لذلك، وأن دخوله على خط الصراع الصومالي-الإثيوبي، جاء لإضعاف الأخير، في مقابل غياب إستراتيجيا واضحة المعالم بشأن العلاقة الصومالية-الاريتيرية.
الظروف الموضوعية والذاتية حكمت على الجبهة الشعبية لتحرير التجراي، في التنازل عن التمسك باريتيريا كجزء من الدولة الإثيوبية.
والأهم من كل ذلك فإنهم لم يكونوا حينها قادرين على إعتراض استقلال اريتيريا والدخول في حرب جديدة معها، خاصة في ظل سعي شعبية التجراي لملمة جراحها وقواها المنهكة بعد سنوات طويلة من المعارضة السياسية والحرب.
وعلى المستوى القانوني فإن اريتيريا تم اقحامها في عام ١٩٦١ في عقد اندماج اتحادي مع إثيوبيا، وتورط فيه بعض المسيحيين الاريتيريين على خلفية تعصبهم الديني وتخوفهم من مواطنيهم المسلمين.
الاوجادين أو الصومال الغربي، له بعد رمزي كبير لدى عموم الأحباش، واللذين يرون أنه يشكل جزء من الصومال التاريخي الذي قوض مرارا سيطرتهم على شعوب شرق إفريقيا، وأنه المهدد الحقيقي لتماسك الدولة الإثيوبية ووجودها السياسي.
وتبلغ مساحة أراضي الاوجادين بثلث مساحة الدولة وعلى امتداد الحدود مع صومال الدولة وكينيا وجيبوتي، وعلى حدود مباشرة مع قوميات الأورومو،السيدامو والعفر، ورافدا اجتماعيا وسياسيا لهم.
بالإضافة إلى كل ذلك أن إثيوبيا كانت ولازالت تاريخيا تطمع في عموم الأراضي الصومالية لم تشكله من أهمية كبيرة لتنامي قوتها ودورها السياسي في شرق إفريقيا، ولأجل تلك الاعتبارات فإن استقلال الاوجادين سيمثل حالة وأد لكل الأطماع التوسعية للقوميات الحبشية عبر رافعة الدولة الإثيوبية، وخسارتها لجغرافيا تمثل الأكثر أهمية في منطقة شرق إفريقيا عموما.
واريتيريا في حد ذاتها ظلت تمثل بالنسبة لاثيوبيا حالة تحدي كبير استنزف قدراتها على شتى الأصعدة، لدى ترغب حكومة أبيي أحمد بالانفكاك من ذلك العبئ الثقيل، وفي منحى أخر أراد رئيس الوزراء بأن يخلق توازن مع قومية الأمهرة المتعصبة والتي بدورها تشكل تحديا أخر للحاكم المنحدر من قومية الأورومو.
كما أن الحسابات الخارجية الإقليمية ممثلة بالعلاقات مع دول السعودية والإمارات، والدولية المرتبطة مع الولايات المتحدة تفرض عليهما إيجاد تقارب سياسي يحفظ مصالحهم في المنطقة، وبدورها فإن الحاجة للاستثمارات تتطلب خلق بيئة مستقرة داخليا وجاذبة للقوى الخارجية.
لا توجد تعليقات
