علاء خيراوي
في قرارٍ مفاجئ وقّعه رئيس الوزراء كامل إدريس، أعلنت الحكومة السودانية حظر استيراد قائمة واسعة من السلع المصنفة بوصفها “كماليات وغير ضرورية”، شملت منتجات غذائية واستهلاكية مثل البسكويت والشوكولاتة، إلى جانب الأكياس البلاستيكية والحاويات، وامتد الحظر بصورة لافتة إلى الفواكه والخضروات والأرز، بل وحتى الأسمنت والدمى ومدخلات إنتاج ومواد خام للشركات. وقد قُدِّم القرار باعتباره محاولة عاجلة لوقف التدهور المتسارع في قيمة الجنيه السوداني، الذي انحدر إلى مستويات غير مسبوقة في ظل حرب مدمرة عطّلت مفاصل الاقتصاد وأضعفت قدرة الدولة على إدارة مواردها. غير أن هذا الإجراء، في بنيته وتوقيته، لا يعكس فقط استعجال السلطة في مواجهة أزمة العملة، بل يكشف عن خلل أعمق في فهم طبيعة الأزمة الاقتصادية نفسها، حيث يُعاد تعريف المشكلة بوصفها فائض استيراد، بينما هي في جوهرها انهيار إنتاج وفقدان ثقة وتفكك في البنية المؤسسية التي تقوم عليها قيمة العملة واستقرار السوق.
من المفهوم انه، في لحظات الانهيار الاقتصادي العميق، تميل الحكومات التي فقدت أدواتها الحقيقية إلى الاحتماء بقرارات تبدو صارمة في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعكس ارتباكًا مفاهيميًا أكثر مما تعكس قدرة على المعالجة. قرار حظر استيراد طيف واسع من السلع في السودان يأتي في هذا السياق تحديدًا؛ ليس بوصفه سياسة اقتصادية مدروسة، بل بوصفه رد فعل إداري على أزمة مركبة تتجاوز بكثير حدود التجارة الخارجية. فالدولة هنا لا تواجه مشكلة “زيادة استيراد”، بل تواجه اقتصادًا فقد قدرته على الإنتاج، ونظامًا نقديًا تآكلت فيه الثقة، وسوقًا بات يتحرك خارج سيطرة المؤسسات الرسمية. الا ان الخلل الجوهري في هذا القرار أنه ينطلق من تشخيص مضلل لطبيعة الأزمة. فالتدهور الحاد في قيمة الجنيه السوداني لم يكن نتيجة استيراد الشوكولاتة أو البسكويت أو حتى السلع الاستهلاكية، بل نتيجة انهيار مصادر النقد الأجنبي في اقتصاد تعطلت فيه الزراعة وتوقفت فيه الصناعة واتسعت فيه فجوة التهريب، وعلى رأسها الذهب الذي خرج من دائرة الدولة إلى شبكات غير رسمية تغذي السوق الموازي. العملة في نهاية المطاف ليست مجرد رقم في نشرة يومية، بل انعكاس مباشر لقدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة حقيقية. وحين تغيب هذه القيمة، يصبح الحديث عن ضبط سعر الصرف عبر تقييد الاستيراد أقرب إلى محاولة حبس الظل لا الإمساك بالشيء.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من القرارات لا يقلص الطلب على النقد الأجنبي كما يُظن، بل يعيد توجيهه إلى مسارات غير رسمية. فالسوق، بطبيعته، لا يتوقف عند حدود القرارات الإدارية، بل يعيد تشكيل نفسه بمرونة تفوق قدرة الدولة على المتابعة. التاجر الذي مُنع لن ينسحب، بل سيتحول إلى قنوات التهريب، والمستهلك الذي حُرم لن يتخلى عن حاجاته، بل سيدفع كلفة أعلى للحصول عليها. وهنا يتولد الأثر العكسي؛ ارتفاع إضافي في سعر الدولار، وتضخم أكبر في الأسعار، واتساع في اقتصاد الظل الذي يبتلع ما تبقى من النشاط الرسمي. وكذلك يكشف إدراج سلع غذائية ومدخلات صناعية ومواد خام ضمن قائمة الحظر عن غياب التمييز بين ما هو كمالي وما هو حيوي، وهو غياب لا يمكن تفسيره إلا بضعف في الرؤية أو استعجال في القرار. فالاقتصاد الذي يعاني أصلًا من نقص في الإمدادات لا يمكن أن يُعالج بتقليصها، والصناعة التي يُراد لها أن تتعافى لا يمكن أن تُحرم من مدخلاتها الأساسية. فالتضخم القائم في السودان اليوم هو تضخم ناتج عن اختناقات في العرض، لا عن وفرة في الطلب، ومن ثم فإن معالجته تتطلب توسيع قاعدة الإنتاج أو على الأقل ضمان تدفق السلع الأساسية، لا خنقها بقرارات حظر شاملة.
ولا يمكن كذلك قراءة هذا القرار بمعزل عن السياق السياسي الأوسع. فالدولة التي تعجز عن فرض الاستقرار أو إعادة تشغيل الاقتصاد تميل إلى استخدام أدوات إدارية ذات طابع أمني، فتتعامل مع السوق كما لو كان خصمًا يجب ضبطه، لا منظومة معقدة يجب فهمها وإدارتها. وفي هذا التحول تكمن دلالة أعمق؛ انتقال من منطق السياسة الاقتصادية إلى منطق إدارة الأزمة، حيث يصبح الهدف هو إظهار السيطرة، لا تحقيق التعافي. لكن السيطرة الشكلية لا تنتج استقرارًا، بل تؤجل الانفجار وتعيد إنتاجه في صور أكثر حدة. لقد تراجع الجنيه السوداني من مستويات تقارب ستمائة جنيه للدولار إلى ما يتجاوز الأربعة آلاف، وهذا الانهيار لم يكن نتيجة سلوك استهلاكي، بل نتيجة انهيار الثقة في الدولة نفسها، وفي قدرتها على إدارة الاقتصاد وتوفير الحد الأدنى من الاستقرار.
العملة لا تُحمى بقرارات إدارية، بل تُحمى بمنظومة متكاملة تبدأ بوقف الحرب، وتمر بإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وضبط الموارد الاستراتيجية، واستعادة صلة النظام المصرفي بالعالم. وما لم تُعالج هذه الجذور، فإن أي إجراء جزئي سيظل يدور في حلقة مفرغة. القرار في جوهره لا يبدو سوى تعبير عن أزمة أعمق؛ أزمة دولة تحاول إدارة الانهيار بدل أن تعالجه، وتواجه نتائج سياساتها بدل أن تعيد النظر في أسبابها. فالاقتصاد لا يُدار بمنطق الحظر، ولا تُستعاد الثقة عبر تضييق الخيارات، بل عبر فتح أفق واقعي للتعافي، يقوم على إنتاج حقيقي، وسياسة نقدية رشيدة، وعلاقة متوازنة بين الدولة والسوق. وما لم يحدث ذلك، فإن كل قرار من هذا النوع لن يكون إلا خطوة إضافية في طريق الانكماش، حيث تتحول النوايا المعلنة إلى نتائج معاكسة، وتصبح الدولة، دون أن تدري، أحد العوامل التي تعمّق الأزمة بدل أن تفككها.
إن أي نقاش حول تدهور الجنيه السوداني أو اختلال ميزان التجارة يظل قاصرًا ما لم يُوضع العامل الحاسم في مكانه الصحيح؛ الحرب. فمنذ اندلاع النزاع بين الجيش وقوات الدعم السريع، لم يتعرض الاقتصاد لاهتزاز عابر، بل لانهيار بنيوي شامل أصاب كل مصادر القيمة. توقفت سلاسل الإنتاج، تعطلت الزراعة في مساحات واسعة، انهارت الصناعات، وتحوّلت موارد البلاد، وفي مقدمتها الذهب إلى قنوات موازية خارج سيطرة الدولة. ومع نزوح الملايين وتفكك الأسواق المحلية، لم يعد الطلب ولا العرض يعملان وفق منطق اقتصادي طبيعي، بل وفق شروط اضطرارية تفرضها بيئة الصراع. في هذا السياق، يصبح تدهور العملة نتيجة مباشرة لانهيار الثقة والإنتاج معًا، لا نتيجة فائض استهلاك أو توسع في الاستيراد. ومن ثم فإن أي سياسة تتجاوز هذا الأصل، وتتعامل مع الأعراض بدل الأسباب، لن تؤدي إلا إلى إعادة توزيع الأزمة، لا حلها.
السؤال الحقيقي ليس؛ كيف نمنع الاستيراد؟ بل؛ كيف نعيد بناء القدرة على الإنتاج والثقة في الاقتصاد ذاته. فالدول لا تُنقذ عملاتها عبر الحظر، بل عبر خلق أسباب موضوعية لطلبها. البدائل الممكنة ليست شعارات عامة، بل مسارات محددة تتطلب إرادة سياسية قبل أن تتطلب أدوات فنية. أول هذه المسارات يبدأ من حيث تُتخذ كل القرارات الكبرى؛ وقف الحرب. فاقتصاد بلا أمن هو مجرد رقم في تقارير، ولا سياسة نقدية يمكن أن تصمد في ظل نزيف يومي للموارد والبشر. كل يوم تستمر فيه الحرب هو خصم مباشر من قيمة العملة، ومن أي فرصة لتعافٍ حقيقي. ثم يأتي المسار الثاني، وهو استعادة السيطرة على الموارد الاستراتيجية، وعلى رأسها الذهب. لا يمكن لاقتصاد يعاني شح النقد الأجنبي أن يسمح بتسرب أهم موارده عبر التهريب. المطلوب هنا ليس فقط تشديد الرقابة، بل بناء نظام شراء وتصدير شفاف ومجزٍ للدولة وللمنتجين معًا، يعيد توجيه هذه الثروة إلى القنوات الرسمية، ويخلق تدفقات حقيقية من العملة الصعبة. وبالمثل، فإن إعادة تشغيل الزراعة ليست خيارًا تنمويًا طويل الأجل فحسب، بل ضرورة نقدية عاجلة، لأن الأمن الغذائي المحلي هو أول خط دفاع ضد الضغط على العملة.
وإذا كان لا بد من التدخل في جانب الاستيراد، فإن البديل الأكثر اتزانًا لا يكمن في الحظر الشامل، بل في استخدام أداة أكثر مرونة وشفافية، تتمثل في رفع التعرفة الجمركية على سلة محددة من السلع الاستهلاكية غير الأساسية. فهذه المقاربة لا تصطدم مباشرة بآليات السوق، بل تعيد توجيهها تدريجيًا، عبر زيادة تكلفة السلع الكمالية دون قطع تدفقها بالكامل، بما يخفف الضغط على النقد الأجنبي ويحدّ من الاستهلاك غير المنتج، وفي الوقت نفسه يوفر إيرادات سيادية يمكن توظيفها في دعم السلع الأساسية أو تمويل القطاعات الإنتاجية. كما أن التعرفة، بخلاف الحظر، تُبقي المنافسة قائمة وتقلل من فرص الاحتكار والتهريب، لأن الفارق السعري يظل ضمن نطاق يمكن التحكم فيه، لا فجوة مغرية للالتفاف على القانون. غير أن نجاح هذا الخيار يظل مشروطًا بحسن التصميم والتنفيذ؛ أي تحديد واضح لماهية السلع المستهدفة، وتدرّج في التطبيق، ورقابة فعالة على المنافذ، حتى لا تتحول الرسوم نفسها إلى عبء تضخمي إضافي على المستهلك، أو إلى قناة جديدة للفساد، بل أداة ضمن سياسة أشمل لإعادة ضبط التوازن بين الطلب على الاستيراد وقدرة الاقتصاد على تمويله.
أما على مستوى السياسة النقدية، فإن المعالجة تبدأ بإعادة الثقة في الجهاز المصرفي، لا عبر القيود، بل عبر الإصلاح. توحيد سعر الصرف، ولو تدريجيًا، ووقف التعدد الذي يغذي المضاربات، وتبني سياسات شفافة في إدارة النقد الأجنبي، كلها خطوات تعيد للسوق قدرًا من اليقين. فالمستثمر والتاجر والمواطن لا يتخذون قراراتهم على أساس الأوامر، بل على أساس التوقعات. وحين تغيب الشفافية، يصبح السوق أسير الشائعات، وتصبح العملة رهينة للخوف. وفي ذات السياق، لا يمكن تجاهل ضرورة إعادة فتح قنوات التواصل مع النظام المالي الدولي، ليس بوصفه خيارًا سياديًا مؤجلاً، بل شرطًا موضوعيًا لأي تعافٍ. العزلة المصرفية تعني ببساطة أن كل عملية استيراد أو تصدير ستتم عبر مسارات مكلفة وغير رسمية، وهو ما يرفع الطلب على الدولار ويُضعف الجنيه. الانخراط الذكي في النظام المالي العالمي، بشروط تحفظ المصالح الوطنية، يظل أحد المفاتيح الأساسية لاستعادة التوازن.
لكن كل هذه المسارات، مهما بدت فنية، تصطدم بحقيقة واحدة؛ الاقتصاد في السودان اليوم ليس أزمة سياسات فقط، بل أزمة دولة. فلا يمكن بناء سوق منضبط في ظل مؤسسات مختلة، ولا يمكن فرض انضباط مالي في بيئة يغيب فيها الحكم الرشيد والمساءلة. الإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة تعريف دور الدولة نفسها؛ من سلطة تحاول التحكم في كل شيء، إلى دولة تضع القواعد وتترك السوق يعمل في إطارها. فكلما ضاقت الدولة على السوق، اتسع الظل الذي يعمل خارجه. إن البديل الحقيقي لاقتصاد الحظر هو اقتصاد الثقة. الثقة التي تُبنى عبر الاستقرار السياسي، وعبر سياسات واضحة، وعبر عدالة في توزيع الفرص، لا عبر قرارات مفاجئة تُربك السوق أكثر مما تضبطه. السودان لا يحتاج إلى مزيد من الأبواب المغلقة، بل إلى نوافذ مفتوحة على إنتاج حقيقي، واستثمار واعٍ، وشراكات متوازنة. وحين تُبنى هذه الأرضية، ستجد العملة طريقها إلى الاستقرار دون قرارات استثنائية، لأن قيمتها ستنبع من اقتصاد حي، لا من نصوص إدارية مؤقتة.
وفي نهاية المطاف، فإن أخطر ما في مثل هذه القرارات ليس أثرها المباشر، بل الرسالة التي تبعثها؛ أن الدولة لا تزال تبحث عن حلول سهلة لأزمات معقدة. بينما الحقيقة التي لا مفر منها هي أن طريق التعافي طويل ومكلف، لكنه ممكن. يبدأ بالاعتراف بحجم الأزمة، ويمر بإصلاحات مؤلمة لكنها ضرورية، وينتهي ببناء اقتصاد قادر على الوقوف بذاته. وما بين البداية والنهاية، لا مكان لسياسات تُدار بعقل اللحظة، بل فقط لخيارات تُصنع برؤية الدولة التي تريد أن تبقى.
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم