إدريس عبد المطلب مكي (السيرة والمسيرة) .. بقلم: د. عمر ادريس عبد المطلب
30 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
102 زيارة
talabmakki@gmail.com
فجر الخميس غرة محرم، انتقل إلي جوار ربه المغفور له _باذن الله _إدريس عبدالمطلب عن عمر نيّف عن التسعين، في كفاح لم ينقطع طيلة حياته العامره بالإنجاز والإعجاز. بدأها بتجارة بسيطة (دكان)، ولما كان عائد الدكان لا ينقع قلة, اشتغل بجانب الدكان بالزراعة، وكانت الزراعه ايضا قليلة العائد لضيق الارض المزروعة والموروثة من الاب ومهما توسع في مجال الزراعة فإنها كانت قليلة العائد ولما رأي ان الارض الموروثة لا تكفي آماله , رأي ان يتوسع في تجارته العابرة للمناطق، فاشتغل بتجاره المواشي كالأبقار والحمير والجمال بين الشمالية وشمال كردفان، وشمال وجنوب دارفور. ورأي ان يتوسع ايضا في الزراعة فتقدم بطلب الي عمده العمد آنذاك وهو الزبير حمد الملك، فحاز علي قطعه ارض_ شرق الخندق _ لزراعة النخيل وكانت عبارة عن تحقيق للذات الطموحة والراغبة في تأكيد الذات والتفرد . ولد أبي عام 1924م، وهو نفس العام الذي قامت فيه ثوره اللواء الابيض بقياده المناضل علي عبداللطيف ضد المستعمر. وصحيح أن ثورة اللواء الابيض قضي عليها ,ولكن الافكار الجميلة السامية لم تمت وبقيت جذوتها لا تزال متقدة تضئ للأجيال . ولد أبي لأبوين كانا يشتغلان بالزراعة في قرية الخندق، وتنقلا منها الي جزيرة (كومي) بغرض الزراعة لسعة الأرض المزروعة والخصبة اللتي تمتلكها جدته لأمه( بنت المني بنت علي ود ضبعة). وهناك أرسل الي مدرسة القولد الأبتدائية مع أخويه : عبدالله وصديق، حيث أكمل المدرسة الابتدائية، ولم يشأ ان يذهب الي ابعد من ذلك لأن التعليم في ذلك الوقت لم يكن مطلوبا بل كان ينظر اليه في ريبة، لأنه من انشاء المستعمر التركي . ولكن أبي استطاع أن ينّمي اطلاعه بالقراءه الواسعه المتواصلة. وكان جيد الخط وساعده في ذلك ان عمله كان بسيطا، وهو (دكان) وربما في جميع اليوم لم يأتي اليه احد بغرض البيع، بل من كان يأتي بغرض أن يكتب له خطابا أو يقرأ له خطابا أو بغرض السمر وقضاء الوقت . كان الوالد _رحمه الله_ يحمل نفسا متمردة قلقة وكان يحب التملك فدفعته الأسره الي منطقة الخندق أي قريه (شبتوت) ليفتح دكانا هناك، وشهد هذا التاريخ قيام حركة الاخوان المسلمين التي كانت تهدف الي احياء الخلافة الاسلاميه فانجذب لها الوالد وانضم الي فكرها مشتركا في صحيفه البلاغ التي كانت تصل اليه تباعا وعديد من المطبوعات , وأسس أبى مكتبة له وكانت من اختياراته وصايا الإمام حسن البنا وكتاب المأثورات للإمام حسن البنا الذي كانت عبارة عن أذكار يقرأها صباح مساء وظل يحفظها طوال حياته وكذلك عديد من كتب الإمام الغزالي وأولها كتاب إحياء علوم الدين_ والعديد من دواوين الشعر وأهمها ديوان المتنبي ,وكان هذا الوقت هو الوقت الخصب الذي مكنه من تنميه مدركاته العقليه. ولما قتل حسن البنا وضُرب جماعة الأخوان المسلمين حار أبي وتخبط فيمن تخبط وأخذ يلتمس طريقا اخر في صحاري الفكر .ولما استقل السودان قامت حكومة نادت بالديموقراطية وقامت أحزاب لها رؤي _ كيفما كانت_انضم الي حزب اللأمة كبقية الأسرة، وشارك في الوضع الديموقراطي الجديد بهمة ونشاط مغالياً في ذلك كما هو حال الشباب النشط المتوثب . ولم يستمر النظام الديموقراطي طويلا فسقط بقيام النظام العسكري الأول (ثورة نوفمبر)، وعاد أبي الي السكون والانكفاء إلي نشاطه الزراعي العادي. لما قام النظام الديموقراطي الثاني انضم أبي الي الحزب الوطني الديموقراطي،لا لشئ إلا لأن أخاه ابن خالته كان قد ترشح في دائرة دنقلا الجنوبية من قبل هذا الحزب . وناصر والدي أخاه وكانت حرية الحركة بين الاحزاب متاحة ولم تكن نظاما طبقيا ينمو داخلياً, إلا أن ما كان يدور من احتراب وتنافس بين هذه الاحزاب ولم تكن العقول تستوعب ما معني الاحزاب وعضويتها وبرامجها واهدافها !,فكان الاحتراب والتشاتم اهم ما يميز هذه الاحزاب، فكان الوضع الديموقراطي يحمل بين طياته نذر نهاياته فكان النظام العسكري الثاني . فانكفأ والدي الي بستانه واخذ يتوسع في زراعة النخيل ووسع زراعته علي النيل معتمدا علي ري الطلمبات المائية. سر النجاح : لم تكن زراعة النخيل بالامر السهل خاصه شرق النيل للشمالية قباله الخندق، لأنها رمال متحركة، وكانت النخلة يحفر لها حوالي مترين وتبني لها بناية من اللبن (الطين) حتي يمكن سقايتها بالجوز ” صفيحتان تعلقان بعود وتحملان علي الكتف” واستمر هذا الوضع البدائي طويلا، وهذه العمليه من الري كانت أنجع من سواها علي مر التاريخ، لأن النخلة تجد وضعيه افضل وهي مغروسة علي عمق وفي التربة الخصبة . كان والدي محبا للطبيعة مولعا بها مندمجا فيها بكيفية لم أجد لها تفسيرا علميا ولم يدر في خلدي أن أسأله عن ذلك, ولربما وجدت عنده اجابة عن سر هذا الوله. ولكن الطبيعة كانت بدورها حانيه عليه فمنحته من اسرارها الكثير و الكثير, وكان دائم التأمل في النجوم والنظر في حركتها, وكان يحدثني عن مواقع النجوم وأن المسافر في الصحاري يجب أن يعرف مواقع النجوم حتي لايتوه في الصحراء . ولأن عمله سواء في التجارة أو في الزراعة كان _يعتمد علي الصحراء_ فقد عرف مواقع النجوم وشيئا من علم الفلك , وسير الانواء ولمعان البروق . وكان يعرف مهب الريح واتجاهاتها . أذكر أنه _فيما يروي هو _ قال لي : قم يا عمر نغرس هذه النخلة في جنح الظلام , فقلت له مستنكرا الوقت , هل لو زرعنا هذه الشتلة (الفسيله ) هل ستوافي الصبح حاملة للثمر؟! .كان والدي يعرف الوقت الدقيق “للاوان” الذي تتلقح فيه الخلية “البويضة” فكان اذا زرع يتفوق زرعه علي الزروع , فهذا هو سر نجاحه في زراعته سواء أكانت في شجرة النخيل، أو في غيرها من شتي الزروع. حدثني احدهم بأن أخاه كان يزرع نبات الباميه عندما يأتي طير الرهو مهاجرا من الشمال الي الجنوب مؤذنا ببداية فصل جديد، وفي سير رحلته كان يتوقف ويسقط طائر “ام قيردون” ،ففي هذا الوقت كان أوان زراعة البامية “الويكة” . فمعرفة الأوان هو سر النجاح . كان والدي طموحا يريد أن يكون له وضعا اجتماعيا واقتصاديا شأنه في ذلك شأن الذين كانت لهم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية سواء بفضل كدهم وكدحهم أو بفضل قربهم من رجال الدولة . ونجح في ذلك، ولكن بعد جهد كلفه الكثير. وأسعفته الطبيعة التي هام بها واندمج فيها و وصادقا زمانا , حتي إذا بدأ المناخ يتغير وبدأت أشجار النخيل في الذبول بفضل تبدل المناخ رحل الي العاصمة بعد تقدم العمر _علي غير رغبته_وأخذ في استثمار الانسان , ووافته المنية في غرة محرم 1437ه .ألا رحم الله والدي فقد كان شعلة من النشاط يواصل ليله بنهاره لا يهدأ الا ليبدأ من جديد ويسكن هنيهات. وتقع داره علي الضفة الشرقية للنيل قبالة قرية الخندق. تحدها من الشمال قرية ملواد (علي بعد ستة كيلو مترات)، ومن الجنوب “جزيرة الكُرُب” (على بعد ثلاثين كيلومتراً)، ومن الشرق تمتد الصحراء حتى تلال البحر الاحمر. وهذا الموقع المتفرد جعل منزله محطة للمسافرين شمالا وجنوبا للتزود بالماء والطعام أي ما يحتاجه المسافر الذي انهكته الصحراء. ولما كان الوالد _رحمه الله _ قد سافر في هذه الصحارى ، يعرف مدى حاجة المسافر فيها للماء والطعام، ومعينات الطريق من معلومات . وكانت داره تستقبل العديد من المسافرين او مرتادي الصحراء بإختلاف مشاربهم، لان فيهم الباحثون عن علوم الآثار، أو الذين يبحثون عن المعايش المختلفة . أو الذين هاموا علي وجوههم لا يلوون على شي. وبعض هؤلاء المسافرين يصلون الى داره في الرمق الاخير من الحياة . وبعض هؤلاء كانت انقطعت منهم السبل فيقيمون معه حيث يعملون في بستانه بالأجر، حتى إذا ما تزودوا بالمال اللازم لمعينات الطريق، استأنفوا رحلتهم . فكل من يرتاد صحراء العتمور مسافرا، شمالا او جنوبا. يعرف اسم الوالد وداره وموقعه، حتى إذا جاوز المكان تائها يعود القهقرى. فكانت داره مستعدة لاستقبال الاضياف، حيث الرمال المنبسطة الطاهرة تكون بديلا للاسرة ، وظلال النخيل تقي من قيظ الحر ، والطعام والماء ميسور بمعونة الخالق، والدواب تجد العلف اللازم لها . وكان الوالد شغوفا باستقبال هؤلاء المسافرين ، يزودهم بالطعام والماء، ويبلو عنهم أخبارهم لان ” الخبر قوت ” كما يقول المثل .حيث يدخل معهم في حوارات طويلة ليتقصى اخبارهم وما عندهم من معلومات . لأنهم في حقيقة امرهم يأتون من مناطق نائية، يحملون معهم اخبارا مختلفة، والخبر زاد المسافر . ولما كان هو يعيش في ثغر الصحراء، يحتاج الى من يتحفه بالجديد والطريف . ورواد الصحارى نقلة للأخبار المستجدة. ولما كان هو واحداً من هؤلاء الرواد ، فهو يعرف إنسان الصحراء جيدأ. فكان كل قادم اليه يأتيه بالمثمر المتجدد وكأن هؤلاء الناس معه على موعد، نعم سمعوا عنه بحبوحته، وسماحته، وسعة صدره، وتواضعه، فخبره تثير به الركبان في فيافي السودان . الا رحم الله الوالد، فقد حباه الله طاقة جبارة لا تعرف الكل أو الراحة إلا عند المرض. إلا أن هذه الطاقة استنفذتها صحارى السودان سواء في الشرق او الغرب. د. عمر إدريس عبد المطلب