إدْوارد لِينو: جَدَلُ العِلاقة بيْن جَنوب وشَمال السّودانْ .. في حَياةِ مُثقّفٍ ثَوْريٍّ (2-3) .. بقلم: ياسِر عرْمان
مِن ميزات إدوارد لينو؛ أنّه عاش في الشّمال ولاسيما ؛ في الخرطوم ليس كضيفٍ وغريب؛ بل تفاعل مع تنظيماتها السّياسية والثّقافية والإجتماعية.
في الخرطوم تمتّع إدوارد بصداقة المُبدعين في كلّ ضُروب الإبداع في الفن والرّياضة والموسيقى والفكر والإعلام – وكان صديقاً لكبار المبدعين في تلك المجالات، يكفي أن نذكر منهم (محمد وردي وشرحبيل أحمد وصديق عباس وكمال كيلة ووليام أندريه والنور عثمان أبكر ود. أمين مكي مدني ومحجوب شريف وعوض دكام) وإلى آخر القائمة .
أدرك إدوارد لينو مأزق المحادثة بين مشور طون أروك وبيتر نيوت، والمسافة بين الثّقة التي يتحدّث بها مشور عن علاقاتنا ومعرفته بي ومخاوف بيتر نيوت المشروعة في عمل سرّي وخطير يقوم به مكتب الحركة الشعبية في الدّاخل، وحينها تدخل إدوارد لينو والذي أجاب باللغة العربية مُرحّباً بي، وذكر أنه ليست لديهم صلة مباشرة بالحركة الشعبية ولكنهم يعرفون عدداً كبيراً من قادتها ويمكن تسهيل الإتصال بهم وطلب مني أن نلتقي بعد عودته من بورتسودان التي سيذهب اليها مع الأب فليب عباس غبوش لعقد ندوة سياسية واتفقنا على؛ أن نلتقي في معهد الموسيقى والمسرح وضربنا موعداً بذلك، وكانت تلك هي المرة الأولى التي رأيت فيها إدوارد وجهاً لوجه ولكنه لم يحضر أبداً ذلك الموعد المضروب، وأصبحتُ مثل المبدع الراحل خليل اسماعيل في أغنية (ميعاد) لتاج السر عباس ” أغالط نفسي في إصرار واقول يمكن انا الما جيت” . وسألتقي إدوارد لينو لاحقاً في مكانٍ لم أعتقد أنه سيكون مكان لقاءنا بعد نحو عام من ذلك الموعد.
المرة الأولى التي سمعت فيها عن إدوارد لينو؛ كان ذلك من خلال الأعداد السّرية لجريدة الميدان التي يصدرها الحزب الشّيوعي السّوداني، ففي أكثر من عدد ضمّت قائمة المعتقلين في سجون نميري، إسم إدوارد لينو ودوك مشار وآخرين من الجنوبيين- ثم تابعتُ محاكمته فيما عُرف بـ(المؤامرة العنصرية) مع الأب فيليب عباس غبوش ورأيته في ندوة في الفتيحاب بعد سقوط نظام نميري مع الاب فيليب عباس وتوقفت عند ملكاته في الحديث وعند عبارة استخدمها في الندوة .
في ندوة الفتيحاب وصف إدوارد لينو المؤامرة العنصرية بانها؛في حد ذاتها مؤامرة عنصرية وهو تصويبٌ دقيق في مرمى السّلطات الحاكمة مما جعلني؛ أرى الجانب الآخر لوجه القضايا الإثنية في السّودان وهذه العبارة السّديدة والدّقيقة لازالت في ذاكرتي، بعد مرور أكثر من ثلاث عقود على تلك الندوة ، وكنت في الثّمانينيات أتابع بشغفٍ ما تحمله مجلة ” قضايا السّلم والإشتراكيّة ” من مقالات حول جنوب أفريقيا في قضايا القوميات والاضّطهاد القومي ، واطّلعت على مقالات ( يوسف دادو ) وتلخيص لمذكرات ( جون بيفر ماركس وكتابات موسس كوتاني ويوسف وعزيز باهات واوليفر تامبو من حزب المؤتمر الوطني الافريقي) ومن تلك المقالات الزّاهية تعلّمت الحوجة للنظر بعينين لقضيتي الطّبقة والقوميات والتّشابك بينهما والإستقلالية النسبية في حقل كلا منهما وعدم الاكتفاء بالتّحليل الطّبقي واغفال قضايا القوميات وتعلمت أيضاً ان قضايا القوميات دون جذرها الاقتصادي والغاء كافة اشكال الاستغلال تظل معلقة في السماء ولاصلة لها بأرض الواقع، وقادني ذلك للاهتمام بقضايا التنوع والمواطنة والإضطهاد القومي والثقافي وفي تلك الندوة شدّني التركيز الحاد والعبارات المدبّبة كالوخز بالإبر والنّازفة والرّاعفة والتّحريض القوي من ادوارد لينو والاب فيليب عباس غبوش لجمهور الندوة حول قضايا المواطنة والتّمييز وعدم الإعتراف بالحقوق المتساوية، لقد كان ذلك الجمهور المتعب والمهمش متحمساً بالكامل؛ ولم أرى هذا الجمهور من النوبة والجنوبيين الواقفين على الرصيف في ندوات الاحزاب الاخرى يسارها ويمينها مما جعلني افكر اكثر حول؛ النقص في التحليل الطبقي بمعزل عن قضايا القوميات والاضطهاد القومي والثقافي، ولامست جانب مختلف من وجدان المدينة لم الآمسه من قبل؛على الرغم من أننا اطلعنا بعمق على أدب الحزب الشيوعي حول قضية الجنوب وهو الحزب الاول الذي نظّر لخصوصية مشكلة الجنوب، ولاحقاً شخّص د. جون قرنق على نحو مختلف وجديد وجاذب ومحفز للفكر والخيال بأن مايسمى بمشكلة الجنوب ماهي الا مشكلة السودان، لقد رأيت في تلك الندوة جمهوراً ينشد التغيير وبرز السؤال الذي لانزال نلاحق اجابته حتى اليوم، كيف نوحد بين مختلف الكتل الجماهيرية الراغبة في التغيير ذات الأولويات المختلفة؟ هذا السؤال أخذ من ادوارد لينو ومن آخرين خارج الحركة الشعبية أحياء وأموات سنوات عمرهم منهم من مضى ومن ينتظر، وحتى اليوم في السودان وبعد ثورة ديسمبر المجيدة لم نعثر على إجابة شافية وحاسمة حول كيفية بناء حركة ” للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية ” متعددة الرايات والمنابر وفي وجهة واحدة تربط بين قضايا المواطنة بلا تمييز والحريات والسلام والطعام والعدالة الاجتماعية.
//////////////////
لا توجد تعليقات
