محمد صالح محمد
خلف آفاق الغياب وحيث تنتهي حدود الرؤية وتبدأ مملكة الذكريات ينسج الحنين خيوطه حول الروح معلناً أن المسافات ما هي إلا كذبة اخترعها الزمن ليعتصر قلوبنا.
قد ترحلون عن المدى وتتوارى ملامحكم خلف ضباب الأيام ويصبح الدرب الذي سلكناه معاً خاوياً إلا من صدى ضحكاتكم الغابرة لكنكم أبداً لم تغادروا الملاذ الأخير؛ ذلك القلب الذي أقسم أن يظلّ وفياً لعطركم وذكراكم.
نور العين حين ينطفئ… وضياء القلب الذي لا يغيب
يقال إن “البعيد عن العين بعيد عن القلب” وما تلك إلا كلمات قيلت لتواسي من لم يذق مرارة العشق الحقيقي. فالعين يا أحبائي ليست إلا نافذة محدودة بحدود الضوء والظلام أما القلب فهو فضاء شاسع لا يحده زمان ولا يقيده مكان. عندما تحجب الأقدار وجوهكم عن ناظري يفتح القلب نوافذ خياله فأراكم في ارتعاشة النجوم وأسمع صوتكم في همس النسيم وأشتمّ عبيركم في بتلات الورد التي يداعبها الندى.
إن غيابكم عن العين ليس غياباً بل هو “حضورٌ مستتر” خلف كل نبضة وتحت كل شهيق. فكيف ينسى المسافر وجهته وهو لم يبرح بعد محطة الانتظار؟
شجن الروح في حضرة الطيف …
ليس أصعب من ليلةٍ يزاحم فيها طيفكم سكون غرفتي فأمدّ يدي لألمس خيالكم فلا أجد إلا فراغاً بارداً يمزق نياط الفؤاد. في كل زاوية من زوايا الروح ثمة حكاية خبأتها معكم؛ كلمة لم تُقَل ونظرة لم تكتمل ووعدٌ قطفناه من بستان العمر قبل أن تذبل أزهاره.
هذا الشجن الذي يغلف أيامي ليس يأساً بل هو “حبٌّ حزين” يرفض الانطفاء. هو حزنٌ نبيل يشبه سكون الغروب حيث ترحل الشمس تاركةً خلفها أفقاً مضرجاً بدماء الفراق لكنها تترك أيضاً وعيداً بالفجر.
هكذا أنتم في حياتي؛ شمسٌ غابت عن عيني لكن دفئها لا يزال يسكن عظامي ويمنحني القوة لأعيش على أمل اللقاء.
عهد الوفاء… نبضٌ لا يعرف النسيان
أحبائي يا من نقشت أسماءكم بمداد من ذهب في طوايا الوجدان اعلموا أن الذاكرة ليست مجرد مخزن للصور بل هي “معبد للحب” أنتم آلهته.
إنني أحفظ تفاصيلكم الصغيرة؛ لمعة أعينكم حين الفرح نبرة صوتكم التي كانت تطمئن قلقي وحتى صمتكم الذي كان يفوق الكلام فصاحة.
للمسافات: لن تكوني عائقاً فالروح تطير بلا أجنحة لتستقر حيث أنتم.
للزمن: لن تنجح في محو الأثر فالوجع الجميل الذي تركه رحيلكم هو برهان وجودكم الدائم.
للقدر: شكراً لأنك وضعتهم في طريقي يوماً فبهم عرفت معنى أن يكون للقلب وطن.
إلى أن يجمعنا القدر من جديد أو تنتهي رحلتي في هذا العالم سأظل أحملكم في صدري سراً مقدساً وصلاة لا تنقطع. سأخبر كل من يسألني عنكم أنكم “هنا” تسكنون في المنطقة المحرمة على النسيان حيث لا تصل يد الفناء ولا تمتد سطوة الغياب.
يا غائبين عن العين و حاضرين في كل شهقة ألم وأمل… القلب لن ينساكم فأنتم منه وإليه وبكم ينبض.
الوداع الأخير لنبضٍ يأبى الرحيل …
سأعترف للكون بصمتٍ مرير؛ إن بقاءكم في قلبي ليس اختياراً بل هو قدري الذي أتنفسه وجعاً كل ليلة. سأغلق أبواب الذاكرة عليكم لا لأحبسكم بل لكي لا يرى العالم انكساري في غيابكم.
قد تمضي السنين وتتغير ملامح الأرض وتُنسى أسماء العابرين إلا أنتم… ستبقون تلك “الغصة الجميلة” التي أسكنتها يسار صدري.
سأعيش ما تبقى من العمر أقتات على فتات ذكراكم وأبحث عن وجوهكم في وجوه الغرباء مدركاً في قرارة نفسي أنكم سوف تعودون .
وعندما يحين وقت رحيلي عن هذه الدنيا لن أوصي بشيء سوى أن يُدفن قلبي معكم فهناك فقط يجد هذا المسكين مستقره… فسلامٌ على أرواحكم التي سكنتني حتى استنزفتني وسلامٌ على عيني التي جفت مآقيها شوقاً إليكم وسلامٌ على حبٍّ عاش شامخاً في حضرة الغياب، ومات وحيداً في زنزانة الوفاء.
يا وجعي المقيم… طاب مرقدكم في قلبي وعزائي أنني أحببتكم وسأظل أحبكم بصدقٍ لا يمحوه حتى الموت.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم