إصلاح الخطاب الديني (2): كيف نقرأ القرآن؟ ضد القراءة المُهلكة..! .. بقلم: غسان علي عثمان
21 مايو, 2015
المزيد من المقالات, منبر الرأي
46 زيارة
القرآن الكريم بعالمه اللغوي يشكل حصيلة معرفية ذاخرة بالمعاني والعبر والأفكار
القرآن الكريم يملك خاصية تختلف في بنيتها اللغوية عن أي نشاط لغوي آخر
القراءة التجزيئية تُضّيع المعنى، وتزيد من حمولة النص ما لا يحتمل فيفقد معناه ودلالته..!
ghassanworld@gmail.com
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ… هذه الآية مقطوعة الأطراف وهي في سياقها العام {42} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً {43} سورة النساء، ومن يقرأها مقطوعة حتماً سيفهم أنها (الصلاة) ممنوعة عن المؤمنين! ألا تتفق معي أيها القارئ الكريم أن الاجتزاء يُضّيع المعنى، بل ويزيد من حمولة النص ما لا يحتمل، وهذا بدوره يجعلنا نكرر الذي أوردناه في المقال السابق، أن المشكلة الأساسية في تقطيع النص هي أن السياق وحدة زمانية كاملة، وأي محاولة لاجتزاءه ستفقد المعاني زمانيتها وبالتالي وجودها اللغوي، فالنص وحدة معجمية، وانتقاء معاني من سلسلة الكلمات المتراصة في السياق، سيجعل النص مبتور ويسهل بالتالي توظيفه لصالح أي جماعة… والقرآن له مجاله الدلالي، فالنص القرآني يملك وحدة معجمية، ومن نافلة القول إن المعجم في الأساس مبني من مجموعات من المفاهيم الوثيقة الترابط تمثلها مجموعات من المفردات.
في قوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ .. هكذا فقط.. تعبر هذه القطعة من الآية الكريمة عن أمر واضح وصريح في تحريم قتل الصيد، لكن من يتابع قراءة الآية سيفهم أن الأمر ليس كما هو ، يقول عز وجل : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ {95} ) المائدة.. إذن الاجتزاء يُفقد النص حقيقته، ولذا فمن الواجب إعادة فحص القراءة القرآنية التي يعتمدها كثير من المسلمين، وليس فقط دعاة التكفير، وعماد هذه القراءة أنه لفهم النص القرآني علينا قراءة الآية مكتملة، ومعرفة أسباب نزولها وطبيعة المجال التداولي لها، ومن هما طرفا الحوار في الآية؟ ونزلت عند ماذا؟ لأن السياق وفق المجموعات المفهومية (المعاني والكلمات) يتدرج من الأعم إلى الأخص. فمعاني الكلمات داخل كل حقل تحدد وتُعين بناءً على ما يشاركها من مفردات أخرى في الحقل. فتحريم الصيد ..لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ.. في الآية السابقة مرتبط بزمانه .. وَأَنتُمْ حُرُمٌ.. لأنك لو وقفت عند تحريمه وصرت تحدث الناس بذلك فهذا يعني أنك قد ضللت الكثيرين، وجعلت النص كقطعة قماش تفصلها كيف تشاء! ولذا فرفض بعد الغلاة للتأويل القرآني المنضبط (المقصود بالانضباط قواعد اللغة وأسباب النزول والتجربة الاجتماعية لمجتمع النص) ليسوا براءً منه، فهم كذلك يأولون النص عبر وسيلة فاسدة؛ وهي القراءة التجزيئية للنص القرآني الكريم.
ولندلل بشكل مباشر على خطورة مثل هذا المنهج؛ منهج أخذ جزء من الآية ومحاولة تعميم الحكم الصادر فيها، والخطورة التي أعني تتمثل في بعض المحاولات التي تريد رمي الناس بالكفر عبر توظيف نص مقطوع عن ذاكرته الزمانية، وذلك قولهم في حق غير المسلمين (وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ..) من يمسك بهذه الآية ويعممها على غير المسلمين، سيجد أن المسيحيين أو أهل أية ديانة غير الإسلام يستحق القتل، إلا إذا أقام الصلاة وآتى الزكاة.. وليس ببعيد ما جرى بمصر في التسعينيات تجاه أقباطها بل ومسلميها حين رأى دعاة التكفير أنهم يستحقون القتل، فمحاولة قتل الروائي الكبير نجيب محفوظ سببها اتهام بعض الأئمة له بالكفر استناداً على روايته (أولاد حارتنا) التي قالوا: إن فيها تجسيداً للذات الإلهية، ومن طعن الروائي الكبير حين خروجه من بيته يمارس عادته اليومية في المشي وسط الناس الذي كتب عنهم وسخر منهم، قال الشاب: إنه يريد قتل نجيب بسبب كفره، ولما سئل عن مصدره لتكفير محفوظ، قال الشاب: إن إمامه قال بذلك، وحينما سئل هل قرأت الرواية؟ محل قتلك إياه، قال: لا أجيدها!، ولكن الحق في نجده بباقي الآية، {4} فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ {5} وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ {6} هل نحتاج الكثير لندلل على أن هذه الآية التي نزلت في أخلاق القتال بين معسكر المسلمين والمتربصين بهم من أهل مكة الذين حاربوا الله ورسوله، لا تمت بصلة مباشرة إلى تكفير الناس، وليس في الأمر علاقة بالمواطنين من أهل الملل الأخرى، وأيضاً أرجع وأقول إن الحقل الدلالي لأي نص يتكوّن من مجموعة من المعاني ِأو الكلمات المتقاربة التي تتميّز بوجود عناصر أو ملامح دلالية مشتركة، وبذلك تكتسب الكلمة معناها في علاقاتها بالكلمات الأخرى، فلا يفهم معاني مفردات التقديرات: ممتاز، جيد جداً، جيد، مقبول…إلخ إلا بمقارنتها ببعضها. وكيف أن كل لغة لها نظام وعدد من المفردات لتغطية الحقول المفهومية، والقرآن الكريم يملك خاصية تختلف في بنيتها اللغوية عن أي نشاط لغوي آخر، حتى أن حقله المفاهيمي لا ينصب على الواقع بشكل مباشر، لأنه إذا فعل ذلك صار كتاباً تاريخياً، وإنما يبني له تمثلاً “فكرياً” من خلال تشكيل عالم لغوي يمكن العودة إليه بواسطة بعض العمليات (التأويل وإعادة القراءة) يقول الله تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا {24} سورة محمد، {175} وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ {176} وفعل التدبر هو التفكر والتأمل، ولا يمكن أبداً إجراء عملية فكرية دون وجود نظرية ضامنة للنتائج ومحققة للهدف، كذلك لا يمكنك التأمل دون خيال منهجي، والتدبر هو الوقوف عند الآيات والتعمّق وأخذ العبر للعمل بها، فهو في الواقع ناتج عن التفسير والتأويل الصحيحين، لذلك فإن القرآن الكريم بعالمه اللغوي يشكل حصيلة معرفية ذاخرة بالمعاني والعبر والأفكار، فالمجال الدلالي للقرآن الكريم يفهم فيه أنّ الكلمات داخل الحقل الواحد (الآية الواحدة) ليست ذات وضع متساوٍ {27} ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ {28} الروم، من يتمعن ويتفكر في الآية السابقة يعرف المقابلات كقوله: (تَخَافُونَهُمْ ) وكـ(خِيفَتِكُمْ)، فالتقابل هنا بين أن تخافون وأن تتخوفون، وبذا فإنه من غير الممكن أو المعقول ربط الفعل الذاتي والموضوعي في قلب الآية، باعتبارهما داخل مجال واحد، وذلك لأنَّ من أهمّ مميزات الحقول أنَّها تنقسم إلى أقسام أو تصنيفات. فمن يقرأ القرآن كأنه كتاب مطالعة، الكلمات فيه تعني معنى واحد، يسقط في فخ تأريخية النصوص، أي ارتباطها بمجال زماني ومكاني محدد، وهذا يغالط صريح الآية الكريم {88} وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً {89} الإسراء. إنه كتاب الله عز وجل يحمل خاصية التوحد الدلالي ، ومعانيه مرتبطة ببعضها البعض، إن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضه، ولا يمكن لأحد أن يعمل مِشرطه فيه ليخرج منه ما يخدم مصالحه، ويتعالى على المعرفة فيقوم بتكفير أي إنسان.. (نواصل).