محمد صالح محمد
في غيابةِ الوقت حيثُ تتكسّرُ عقاربُ الساعةِ على عتباتِ الانتظار. أقفُ وحيداً أُلملمُ شتاتَ طيفكمُ الذي ما زال يرفضُ الرحيل. إنها غُربةُ الروحِ حين يغيبُ عنها مَن هم للهواءِ نَفَس وللنبضِ قرار. يا مَن سكنتم تلك المنطقةَ المحرمةَ والجميلة تلك المساحةَ الممتدةَ ما بين جنونِ الحبِّ وسطوةِ العشق كيف حالُكم في غيابكم؟ وكيف حالُ قلبي الذي تركتهُ وديعةً بين أيديكم؟
أنينُ الذكرياتِ في ليلِ الحنين …
تمرُّ الليالي ثقيلةً كأنها دهرٌ من التعب وكل ليلةٍ أفتحُ فيها صناديقَ الذاكرة يخرجُ عطرُكم ليخنقَ أنفاسي بوجعِ الاشتياق. كنتُ أظنُّ أن المسافاتِ مجردُ أرقام لكنني اكتشفتُ أنها جدرانٌ من الشوكِ تُدمي أقدامَ أحلامي كلما حاولتُ الركضَ نحوكم. أفتقدكم افتقادَ الأرضِ القاحلةِ لقطرةِ مطرٍ تائهة وافتقادَ الغريقِ لمرسىً لا يصله أبداً.
أتحسس صوركم و كلماتكم المكتوبةِ على هوامشِ أيامي فأتساءل: كيف استطعتم أن تحتلوا كل تفاصيلي ثم تمضوا؟ كيف سكنتم في “ما بين”؟ حيثُ لا الحبُّ يُقيدكم فترجعوا ولا العشقُ يحرركم فتغيبوا تماماً عن بالي.
مابين الحب والعشق: زنزانةُ الشعور …
إنَّ السكنى في هذه المنطقةِ هي لعنةٌ من نوعٍ خاص. الحبُّ فيها رقيقٌ كالندى والعشقُ فيها حارقٌ كالجمر وأنا اليومَ أقفُ في منتصفِ الحريق لا الندى يطفئني ولا الجمرُ ينهيني.
أفتقدُ تلك اللحظاتِ التي كانت تذوبُ فيها الفوارقُ بيننا حين كان الصمتُ بيننا أبلغَ من ألفِ قصيدة وحين كانت نظرةُ العينِ تختصرُ تاريخاً من العذابِ والنشوة.
يا غائبين عن المدى وحاضرين في مجرى الوريد:
أفتقدُ صباحاً لم يبدأ بصوتكم كأنه نهارٌ أعمى بلا شمس.
أفتقدُ ضحكةً كانت ترسمُ لقلبي خارطةَ النجاةِ من أحزانه.
أفتقدُ العتابَ الرقيق والخلافَ الصغير والصلحَ الذي كان يعيدُ ترتيبَ العالمِ من جديد.
رسالةٌ لن تصل… لكنها تُكتب …
إلى الذين يسكنون مابين الحب والعشق اعلموا أنَّ غيابكم لم يزدني إلا انكساراً أمام مرآةِ الحقيقة. كلُّ الوجوهِ التي أراها بعدكم هي مجردُ أقنعةٍ باهتة وكلُّ الأماكنِ التي أزورها هي أطلالٌ تقرعُ أجراسَ الحزنِ في صدري. لقد بنيتم مدناً من الياسمين في قلبي ثم تركتموها لتذبلَ تحت شتاءِ الوحدة.
سأبقى هنا أقتاتُ على ما تبقى من فُتاتِ ذكرياتنا و أكتبُ أسماءكم على جدرانِ الصمت وأهمسُ للريحِ بكل لغاتِ الوجع: “أفتقدكم” فهل لصدى صوتي أن يصلَ إلى تلك المنطقةِ المسحورةِ التي تسكنونها؟ أم أنَّ القدرَ قد حكمَ عليَّ أن أعيشَ ما تبقى من عمري غريباً أبحثُ عنكم في كل شيء، ولا أجدُ سوى طيفكم الذي يسكنني.. ولا يسكنُ بجانبي.
وهكذا تظلُّ الحروفُ عاجزةً عن ردمِ الفجوةِ التي خلفها رحيلكم ويظلُّ قلبي معلقاً على أرصفةِ الرجاء يترقبُ طيفاً قد لا يأتي. لقد أتقنتم السكنى في أعماقي حتى صارَ غيابكم احتلالاً كاملاً لسكينتي ونفياً مؤبداً لفرحي.
سأغلقُ دفتري الآن لا لأن الوجعَ انتهى بل لأن الدمعَ بَللَ الكلماتِ حتى انمحت و سأتركُ النوافذَ مشرعةً لعلَّ ريحاً تحملُ إليّ شيئاً من عطركم وسأظلُّ أرددُ في عتمةِ ليلي: ليتني لم أعرفكم و لا لشيء، إلا لكي لا أذوقَ مرارةَ هذا الفقد الذي جعلَ من “ما بين الحب والعشق” مقبرةً لأجملِ أيامي.
هنو يا أجملَ انكساراتي ويا أطهرَ جراحي.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم