إلى الصحفيين السودانيين: حضرنا ولم نجدكم (4) !!

 


 

 

قراءة في مواقفهم إزاء المفكر السوداني الانساني محمود محمد طه
إلى الصحفيين السودانيين: حضرنا ولم نجدكم!
تعليق على كتاب: هاشم كرار، من المشنقة إلى السقوط: كلام ما ساكت!
(4-4)

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير

"ونحن لا نستغرب سوء الفهم، وسوء النية، من أي إنسان بقدر ما نستغربهما مِمَنْ يحملون الأقلام، ويتصدون لتوجيه الرأي العام، ويجدون المداد، والورق، موفوراً لديهم، لأن الشعب يثق فيهم، ويقبل على ما يكتبون - يدفع ثمنه من حر ماله، ويقبل عليه يقرأه، ويستظهره– من مثل هؤلاء يستغرب سوء الفهم، ويستغرب سوء النية.. بل من مثل هؤلاء قد لا يقبل صرف ولا عدل.. لأن في عملهم خيانة لأمانة الثقافة، وخيانة لرسالة القلم، وخيانة لأمانة الثقة.. الثقة الغالية التي أودعها الشعب في حملة الأقلام".
محمود محمد طه، 1969

يجيء هذا المقال بمثابة تعليق على كتاب الكاتب الصحفي هاشم كرار: من المشنقة إلى السقوط: كلام ما ساكت!، (تحت الطبع)، وننشره الآن احتفاءً بالممارسة الديمقراطية في تشكيل أول نقابة للصحفيين السودانيين منذ (33) عاماً. لا جدال في أن عودة النقابات، وهي من أهم مظاهر التحول الديمقراطي وضماناته، ومن أقوى التعابير عن المشاركة الجماعية والتفاعل القاعدي للرأي العام، تمثل محطة مهمة من محطات الانتصار لثورة ديسمبر السودانية المجيدة. ومن بشائر نجاح الثورة، ومؤشرات التجسيد لتعبير الردة مستحيلة عن الثورة السودانية أن تكون نقابة الصحفيين هي أول نقابة تتشكل بعد (33) عاماً، وفي هذا اتساق مع واجب الصحافة والصحفيين تجاه التحول الديمقراطي، وحماية الديمقراطية، وحراسة حرية التعبير، إلى جانب تنمية الوعي وبناء الرأي العام، فضلاً عن حماية المجتمع من الكوارث الطبيعية، واتقاء شرور السياسيين، وخطر الجهلاء منهم، وكشف عبث أنصاف المثقفين "من أدعياء السياسة وأدعياء الوطنية". ولهذا فإن هناك الكثير من العمل الذي ينتظر الصحفيين والمثقفين عامة من أجل الثورة والوفاء لشهدائها، وفي سبيل تحقيق التغيير الجذري والشامل.
تناولنا في الحلقات السابقة، أهمية الكتاب وقيمته، وقلنا بأنها تكمن في أنه كتاب يصب في فعل المقاومة، ودعم الثورة، والإسهام في تطهير الأرض. فهو أول كتاب يصلنا من حملة الأقلام ومكيفي الرأي العام من الصحفيين السودانيين، في مقاومة سردية الكسل العقلي وتناسل الجهل، التي نسجها، بلا حق وبلا ورع علمي أو وازع أخلاقي، تحالف ديني عريض حول محمود محمد طه. وفصلنا في هذا، ثم تتبعنا قصة هاشم كرار مع الكتاب وبعض إسهاماته الصحفية، وطرفاً من سجل الصحافة السودانية المكتوبة وأداء ومواقف الصحفيين السودانيين تجاه الأستاذ محمود محمد طه والفكرة الجمهورية، عبر عدة محاور، هي: 1. الصحفيون وتغذية الشعب بجهالات العقول وغثاثات الأنفس، و 2. هاشم صحفي العيش الكفاف يفوز بشرف السبق ويفتح الباب أمام حملة الأقلام لتصحيح المواقف، و 3. الأحرار حرب على التعتيم: الصحفي الأول والوحيد الذي كشف حريق نادي الخريجين بود مدني، 1979، وكذلك محور: 44 عاماً من العطاء في سبيل السودان والإنسان. واليوم نواصل.

*الأسرة خالقة الجمال والنموذج الذي يحتذى*

كانت أسرة هاشم كرار قد كشفت، وفي الفضاء الكوكبي، عن هوية هاشم الزوج والأب، وهي تعبر عن مدى حبها له. فعندما أصيب هاشم مؤخراً بداء السرطان اللعين، ونال العلاج من شعر الرأس فتساقط، فما كان من هذه الأسرة الرائعة، إلا وأن قام أعضاء الأسرة بحلق شعر رؤوسهم، وكانت الأم أول الحالقين، لتجسد الأسرة بهذا المشهد، الحب المعية مع هاشم الأب. استطاعت هذه الأسرة الجميلة وبهذه المبادرة الإنسانية، أن تقدم نموذجاً إرشادياً يحتذى، ويقيني أن الكثير من الناس في العالم اشتهى أن تكون أسرته مثل أسرة هاشم. غير أن جني ثمار المحبة، يبدأ عند غرسها، فمن لا يغرس المحبة يجني السراب، ومن لا يبذلها لا يظفر بها. كما أن الصحة الأسرية والسلام الأسري، يبدأ عند الأب بإقامة السلام الداخلي والصحة الداخلية، وتكريم الزوجة واحترامها كإنسان، كونها مركز دائرة البيت وبوصلة السلام والصحة والمحبة فيه. لا جدال في أن هاشم يعيش في سلام داخلي، وبإقامة السلام الداخلي، يتحقق السلام على الأرض. شكراً هاشم على اهدائنا هذه الأسرة الرائعة، وعلى تقديم هذا النموذج الإنساني التعليمي والذي سيبقى حياً في أذهان الناس.

*دعوة للأساتذة والطلاب والباحثين*

وهنا أستميح القراء عذراً في أن أوجه الدعوة للطلاب والطالبات والباحثين والباحثات للقيام بإعداد دراسات عن موقف الصحافة من محمود محمد طه. والدعوة موصولة إلى الأساتذة من المعنيين بالإشراف على الدراسات العليا في مجال الصحافة والإعلام والاتصال الجماهيري، وإلى الجامعات كذلك بتوجيه الطلاب لدراسة هذا الموضوع، فهو موضوع كبير ومهم وغني وثر وثري. وفي تقديري، إننا عبر دراسة هذا الموضوع نستطيع تفسير الكثير من معطيات راهن السودان، وتحليل أزمة الفكر الإسلامي بما يحقق إعادة الاعتبار والبعث للفهم الجديد للإسلام، الأمر الذي يخدم تعمير الحياة وأنستها، وإقامة السلام في القلوب وعلى الأرض.
قبل الختام، التهنئة للأستاذ هاشم كرار بإنجازه لهذا الكتاب، وهو في تقديري، بمثابة إعلان موقف أخلاقي تجاه موضوع وَضَعَ كل حملة الأقلام، والصحفيين بصورة خاصة، في امتحان عسير ومستمر مع صباح كل يوم جديد. وستظل المسؤولية فردية في هذا الامتحان، والأسئلة تزداد سطوعاً أمام ناظرينا، والإجابات عليها تنتظر نمو الوعي وشجاعة العقول وتحريرها من الأوصياء عليها، والتحرر من ثقافة القطيع. فما هو موقف حملة الأقلام من الشراكة في اغتيال محمود محمد طه؟ وما هو موقفها من سيرته الفكرية ومشروعه الفكري الفهم الجديد للإسلام، أمام السردية التكفيرية، سردية الكسل العقلي وتناسل الجهل التي ظل يرددها رجال الدين؟ إلى أي مدى أسهم حملة الأقلام، خاصة الصحفيين، في نسج السردية التكفيرية؟ ما هو دور الصحفيين في التجاهل والتغييب والتهميش؟ وهل لا يزالون يمارسون ذلك الدور؟ متى سيستيقظ حملة الأقلام في السودان حتى يقوموا بدورهم تجاه واجب الثقافة وحق الشعب عليهم، في التعبير عن الاحترام لمحمود محمد طه والاحتفاء به، في الوقت الذي قطع فيه حملة الأقلام في فضاءات العراق، والأردن، ولبنان، والمغرب، وتونس، والجزائر، وغيرها، شوطاً كبيراً في دراسته والاحتفاء به وبرؤاه؟
هذا الكتاب، في تقديري، يقدم دعوة للصحفيين بضرورة إعادة النظر في مواقفهم من محمود محمد طه، ويذكرنا بأن التجاهل هو سلاح العاجزين، وأن التهميش هو سلوك أصحاب السقوف المعرفية الخفيضة، وأن التغييب، في ظل تيار الوعي المتنامي، أصبح مستحيلاً. وأن توهم النسيان والتناسي لمحمود محمد طه، فعل لا يصدر إلا من أصحاب النظر القصير، والخيال المتكلس. وفوق كل هذا فإن التغيير الجذري والشامل قادم لا محالة، فالثورة في السودان أصبحت كالأكسجين يستنشقها الشعب، وليس هناك سوى التوق للحرية والتغيير. فمتى ما تمت الثورة، الآن أو مستقبلاً، فإن شعوب السودان والإسلام، لن تجد من يعينها على طريق الحرية والتنمية والديمقراطية وكرامة الإنسان، ويسوقها إلى إقامة السلام في القلوب وعلى الأرض، سوى الفهم الجديد للإسلام/ الرسالة الثانية من الإسلام.
قبل الختام من المهم الإشارة إلى أن هذا المقال اقتصر على الصحفيين في الصحافة المكتوبة، ولم تكن الإذاعة والتلفزيون من ضمن انشغالاته. ولمَّا كنت بصدد إصداره في كتاب، مع بعض التفصيل والتوسع، فإن مواقف الإذاعة والتلفزيون والقائمين عليها ستكون من ضمن فصوله. والحق أن مواقف الإذاعة والتلفزيون منذ نشأتها، كانت أكثر سوءاً من مواقف الصحافة المكتوبة. ولم يتغير الحال في الإذاعة والتلفزيون حتى بعد اندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، إلا تغير طفيفاً، تجلى في أداء بعض الإعلاميين، منهم: السر السيد، وسلافة أبو ضفيرة، وشوقي عبد العظيم، وهيثم الريح حمد النيل، وعادل سيد أحمد وغسان على عثمان، وغيرهم.
ختاماً أتقدم بخالص شكري للأستاذ هاشم كرار لإتاحته الفرصة بطلبه مني تقديم قراءة في هذا الكتاب، والحق أنني احتفيت أيما احتفاء بطلبه هذا. فلقد ظللت عبر عملي في سيرة محمود محمد طه الفكرية والفهم الجديد للإسلام، وهي ساحة مشروعي البحثي المفتوح والمستمر، أسعى لتطهير نفسي وعقلي وجسدي وروحي، كون العمل في ساحته واجب ثقافي ووطني وأخلاقي وإنساني. وأعتذر للقراء والقارئات على هذه الإطالة، غير أن المفكر والمؤرخ الفرنسي هنري مارو (1904-1977)، يسعفني في هذا المقام، إذ كتب مارو في كتابه الذي صدر باللغة الفرنسية عام 1959، قائلاً: إن "توصيف التاريخ هو ثمرة لجهد جماعي، فإفراط البعض يُقوِّم تقصير البعض الآخر"،
Henri I. Marrou, the Meaning of History, translation by Robert J. Olsen, 1966.
مع تمنياتي للجميع بقراءة ممتعة، وباعثة على التأمل في صفحات كتاب الأستاذ هاشم كرار: *من المشنقة إلى السقوط: كلام ما ساكت!*

abdallaelbashir@gmail.com
////////////////////////

 

آراء