هذا المقال كتبته بعد أن أطلعت على مقالة نـُشرت بموقع سودانايل بتاريخ الأمس 20 أغسطس 2021 لـ د. محمد جلال هاشم بعنوان ” صحيفة اليوم التالي وعقدة التفكير بعقلية نخاس الرقيق “, ومقالة أسبق لذات الكاتب بتاريخ 11 أغسطس بعنوان ” ما هو منسوب للمدعوة جينفر سومر بخصوص الوضع في دارفور يعبّر عن موقف قوى الإمبريالية العالمية “. تسهيلا للإستدلال من المقالتين فلأسَمِّ المقالة الأقدم (الأولى) والأخرى التي تلتها (الثانية). ففي (الأولى), جزء من مادتها كما فهمت أراد صاحبه القول بإن (التيار المهيمن) في الصحافة الغربية ومؤسسات الإمبريالية, بما يشمل الإتحاد الأوربي, الأمم المتحدة, وقس على ذلك لا يريدون بالسودان ولا بأهله خيرا عن طريق, 1. سعيهم للوقيعة بينهم في صياغة الخطاب المنظم للعلاقات بين القبائل؛ 2. مواصلة تضليل الشعوب بالـ”إتفاقيات المفخفخة” (مثل اتفاقية سلام جوبا) واللسان المشقوق, سواء في عرضهم لتلك اتفاقيات على كل الأطراف, أو في المناورة لـ “حث” الآخرين على “اللحاق بالركب”, ثم أخيرا في تلغيم, وأخيرا “طرشقة” الإتفاقيات, لتستمر دورة العنف؛ 3. عبثية “الفترة الإنتقالية” لتمثيلها “فترة الإنقاذ” وطابور (الخوازيق) “ربائب المنظمات الدولية وقوى الهبوط الناعم”؛ 4. محور أخير هو حسب تعبير د. محمد جلال هاشم ” احتلال أجنبي (لدارفور) من قبل شُذّاذ الآفاق الذين استقدمتهم دولة الإنقاذ”, وقدم د. م.ج.هـ الدليل على ذلك بـ” مليشيات الجنجويد الإثنية التي تديرُها أسرة مهاجرة إلى السودان حديثا قد تمت شرعنتُها دستوريا في زمن الإنقاذ “. المقالة بأكملها على خلفية مادة نشرتها الباحثة د. جينيفـَـه سومر إحدى “الخبراء” في شؤون السودان عن مستقبل قوات الدعم السريع وترجمتها صحيفة “مداميك” الإلكترونية.
بالنسبة للخازوق 1., وهو صياغة وبث خطاب “أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين”, أو الإيحاء للمتعربين في السودان بأنهم فوق الأفارقة فيه, فهذا ليس شيئا جديدا, وسأخوض فيه لاحقا – معلقا على خوض د. محمد جلال هاشم فيه مجددا في مقالته الثانية؛ بالنسبة للخازوقين رقم 2, و3, فهما متعلقان بذات الموضوع, ألا هو تعقيدات ومآلات فترة الإنتقال بين خلخلة الحكم الشمولي وحراك القوى الديمقراطية سعيا لنظام ديمقراطي. لا أستطيع في هذا المقام سوى تسجيل “نقطتي نظام”. أما “نقطة النظام” الأولى فهي تتعلق بالخلط الفظيع بين الحكومة الديمقراطية والحكومة المنتخبة, ناهيك عن سوء فهم منقطع النظير عن بنية الحكومة المنتخبة (أو السلطة المنتخبة والنظام البرلماني بشكل عام) وقد تعرضت لذلك بتفصيل وصبر في كتابي “الديمقراطية والتحيز” (موجود ومتاح كما أحسب في محركات البحث باسم كاتبه مازن سخاروف). أوصى الجميع بالإطلاع عليه, فقد أردت له أن يكون “تكست بوك” في سوء الفهم الذي أوردنا ورطتنا هذه في خطاب الديمقراطية.
أما “نقطة النظام” الثانية, فتتعلق بمآلات فترة الإنتقال, وهذا يستدعي مقالا منفصلا يضع الكثير من النقاط فوق الحروف.
أما الخازوق الأخير في مقالة د. محمد جلال هاشم الأولى, أي “الإحتلال الأجنبي” لدارفور فوجدت التطرق إليه من الأهمية بمكان. فأستاذنا القدير يبدو أنه لم يقدّر جيّدا تبعات نشر تلك المجهودات والبحوث الخاصة به في علاقات الأرض في دارفور. الذي حدث يا د. هاشم, أن “الجلابة” الذين أتفق معك تماما أنهم جزء لا يتجزء من المشكلة, قد استخدموا بحوثك المنشورة “بطريقتهم الخاصة” لصب مزيد من النار على البنزين في المشكلة السودانية في دارفور (لاحظ لصياغتي)؛ واستخدموا لقاءاتِك المسجلة بالفيديو لجعل كل “بعشوم” وثعلب ومتثعلب يطير من الفرح لعثوره على “كادوك السنين” لـ”كسير العدة” في المطبخ وإعطاء الصراع في دارفور نقلة نوعية جديدة في الفوضى والفتن القبلية. كل ما سبق بكلمات أقل, لقد أعطيت عشاق الدراما المفتعلة ذريعة لافتعال فصل جديد من “الغبائن” بطريقة الجلابة. كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله, ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين (من قوله تعالى من سورة المائدة, الآية 64). ليس اعتراضي على محتوى المعلومة من حيث المبدأ, بل نتيجة عنوانها المرسل بتلك الصياغة (إحتلال أجنبي) دون ضوابط. فالإنتهازية في البلد ليسوا من قلة. ونحن في جمهورية أكاديميا يفترض فينا أكثر من الوعي لقطع الطريق على كل “زعيط ومعيط” من “وليدات الإنجليز”. وإن كان لابد من الحديث عن احتلال أجنبي, فإن هناك تشرد وتشريد وهجرة وتهجير و”قلع” أراضي الغير في أنحاء متعددة من السودان (بما فيها الخرطوم ذاتها التي نزعت فيها أراض وأعطيت لـ”مستثمرين عرب”). وهناك من يصف بعض أهل السودان في المدينة سين وصاد وعين بأنهم “خرفان فولانية”, رغم أن الوصف قد ينطبق على الواصف أكثر من الموصوف. إن كان لابد من الحديث عن احتلال أجنبي, فلنراجع تاريخ القبائل و”وليدات الإستعمار” منذ الغزو التركي يا بروف هاشم! حساب ولد.
لننتقل إلى المقالة الثانية بعنوان ” صحيفة اليوم التالي وعقدة التفكير بعقلية نخاس الرقيق”. أتفق معك في عموم ماذهبت إليه. لكن التعميم فيه إخلال وخلل. حديثك عن جون قرنق مثلا موفق في بعض ما ذهبتَ إليه, ولم ينجح في بعض آخر. مخلصك يأسف أن ينقل إليك خبرا غير سار بالمرة: أن هناك أقلاما جنوبية إعتقدت (مثل د. عبدالله علي ابراهيم, بصرف النظر عن المنشأ النفسي للإعتقاد) أن د. منصور خالد كان “مطوع قرنق”. ما ذكرته لك في هذا الصدد ليس سوى بداياتٍ من سلسلة مقالات نشرتها حديثا جدا بموقع سودانيز أون لاين, ثم موقع سودانايل (1). أعتقد أن فرضية وجود شمالي في قلب الحركة الشعبية لـ”ضبط الموجة” لا يختلف بالضرورة مع طرحك, بل هو لـَعَمْري يتفق معه. كل ما على المرء أن يفعله هو استبدال عقلية النخاس الجلابي, بعقلية سيده النخاس البريطاني. هناك أكثر من علامة استفهام في منعطفات حرجة في تاريخ الحركة الشعبية (على سبيل المثال, ظروف انضمام\تسلل د. منصور خالد – وآخرين للحركة؛ تمرد الناصر؛ تخلي قرنق عن مشروع السودان الموحد, وكذلك المبادئ الإشتراكية). لا أعتقد أن لاعبا بحجم قرنق يمكن للعقلية الأنقلوساكسونية أن تتركه يتصرف بطريقته دون “عراب” و”مستشار أمين” للإستعمار. وقد كان.
هناك أسلوب في علم الإجتماع يسمى بالقيصرية, أو Caesarism, وهو من إبتداع ماكس فيبر. وتعريفه باختصار, أنه يمكن في بعض الأحيان للمرء وضع نفسه مكان قيصر حتى يعرف كيف يفكر قيصر. ليس على المرء أن يصبح قيصر فعليا؛ كل المطلوب (في السياق) هو شيئ من “التعاطف” مع “الآخر” لسبر غور نسق تفكيره و”همومه”. وفي حالة السائس الأنقلوساكوني, شيطناته.
عودة إلى خطاب ” أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين”, حسب صياغتي بصدد جزئية الخازوق الأول في مقالتك الأولى؛ أو حسب صياغتك, ” أنه يتوجب على قيادات القبائل الأفريقية في دارفور أن يقبلوا بهيمنة القبائل من يسميهم المقال بالقبائل العربية على الأراضي التي وضعوا أيديهم عليها “. هذه الهيمنة واقع فعلي نتاج سياسات إستعمارية. نفس هذه المشكلة في بريطانيا نفسها, فالهوية الأنقلوساكسونية هي نفسها هوية مزورة: “ألْـمَنة بالإكراه” ثارت عليها شعوب الجزر البريطانية, وتم إخضاعها بالنهاية بالقمع والبطش (وقد قمت بتفكيك ذلك من العمق في كتاب “الديمقراطية والتحيز”). الجلابة الذين في السودان. هذه “الكوتشينة المدكوكة” لا تحتاج إلى إعادة ترتيب وحسب, بل يجب إطلاع كل الأوراق المعنية في الكوتشينة أنه “لا الشايب شايب” ولا “الديناري ديناري”. فلا يمكن حل مشكلة السودان في وجود هوية مفبركة وتاريخ مزور. وهناك لازمة يجب الإنتباه إليها جيدا: كيف يمكن التعامل مع الجلابة حين يتخذ الصراع أشكالا غير إنسانية. فالتجربة تعلمنا أن الجلابة هم قوم بُهت وجُبلوا على تأليب الجماهير ضد من يحاول القيام بتوعية يمكن تكون جزء من الحل (تهديد المصالح الإستعمارية بكلمات أخرى). ورغم ذلك فإن مما يؤسف له أن هناك منا من يعطيهم الفرصة لممارسة هوايتهم المفضلة في التفرقة و”شك الورق” عن طريق التلاعب بالأحاديث التلفزيونية وبعض مقالات سودان نايل على سبيل المثال.
للحديث تكملة.
مازن سخاروف, 21 أغسطس 2021
الهوامش
————
1. قرنق والذين غدروا به: د. منصور خالد وأشياء أخرى (1), سودانايل بتاريخ 17 يوليو 2021. الرابط هنا:
https://sudanile.com/archives/142004
* إنظر أيضا الحلقة الثانية بتاريخ 1 أغسطس 2021. الرابط هنا:
https://sudanile.com/archives/142866
==
jsmtaz2014@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم