( 1 -3)
الطيب الكامل قنات
أجاد وأبدع الروائي الدكتور محمد المصطفى موسى في روايته الرائعة (48) والتي حجز بها وعن جدارة وإستحقاق موقعا متقدما في عالم السرد والرواية.
فمحمد المصطفى الذي ولد ونشأ بإمدرمان يحمل وجدانا مترعا بصدق الإنتماء وشدة الوفاء لهذه المدينة التي أحبها بكل تفاصيلها فطبعت فيه حنينا وتعلقا بالأمكنة زاده نبلا التجرد من العصبية، وذاك ما عناه بروفيسور علي المك العاشق الأكبر لأمدرمان (مدينة من تراب) كما سماها متصالحا مع بساطتها وأصالتها،إتخذ علي المك من رمزية خليل فرح مرآة تعكس قومية أمدرمان فقال: ( هي المدينة التي سلبت خليل فرح لهجته المحلية وسلمته وجدانا قوميا ).
وعلى ذكر علي المك فإن عنوانه البارز( الصعود إلى أسفل المدينة) يشكل تخاطرا مدهشا وتلخيصا ربما يصلح عنوانا رديفا لرواية 48 كما يتضح من فكرة وشخوص ومسرح الرواية.
المتابع لكتابات محمد المصطفى يلحظ ميلا وإنحيازا بائنا للطبقة الكادحة أو مايعرف بالمهمشين بالرغم أنه ابن (مدينة النيل) أحد أحدث وافخر أحياء أمدرمان لاسيما في عقديي الثمانينات والتسعينات ولعل هذا يبرز المنطلقات الإنسانية المحضة التي تنطوي عليها شخصية الكاتب خاصة إذا علمنا خلوصه من الحمولات الأيدولوجية الرافعة لشعارات نصرة الطبقة الكادحة.
لقد جبر الكاتب بإنصاف ضرر أهل الهامش بإعادة تموضعهم داخل الخارطة الإجتماعية فجعل من(الناس السلعتهم الضراع..والعرق ال يخر)
مركزا للمدينة وأحداثها دونما إفتعال وإشعال لمعارك طبقية،
وهذه حيلة تعويضية أمدرمانية قديمة جعلت من أمثال ود نفاش والهادي نصرالدين وكمال سينا وغيرهم من ظرفاء وبسطاء المدينة مزارا تحج إليه بتدافع وتودد أفواج الطبقات والنخب في ألطف تداول سلمي لسلطة المجتمع .
ستكون غاية هذه الحلقة من سلسلة إنتفاض من رماد المكسيم الوقوف على أهم الأدوات الإبداعية التي وظفها الروائي حتى تخرج إلينا رواية 48 بكل هذا البهاء والألق،على أن يكون مسعى الحلقات القادمة الإشتغال على سبر غور النص وفق ماتسمح به محدودية ذائقة المتلقي كاتب هذه السلسلة.
لعل اهم أداة اشتغل عليها الكاتب هي تدويره الإسترجاعي لماكينة التاريخ والتي يحفظ أزرارها وأسرارها ببراعة تامة.
فالقاريء يجد نفسه منغمسا لاشعوريا في الأحداث التاريخية منفعلا بها حد الإندماج كأنه أحد ابطالها أو شهودها.
يكتب محمد المصطفى التاريخ بمداد من دم حار مازال جرحه ينزف على قمم وسفوح كرري بفعل مدافع المكسيم والغازي اللئيم.
وهو بذلك يتخذ من المباهاة بتاريخ الأجداد قيثارة خالدة تطرد الغفلة والتزييف والنسيان، وارثا عن الأسلاف تجاسرهم على الهزيمة بكل كبرياء وشموخ :
الوحش يقتل ثائرا
*والأرض تنبت الف ثائر* ..
ياكبرياء الجرح،
لو متنا لحاربت المقابر..
فملاحم الدم في ترابك
*مالها فينا أواخر*..
لقد إمتلك الكاتب ناصية اللغة وأجادها أدبا ونحوا وصرفا وبلاغة،وتجاوز تأطيرها التقليدي بثراء في المفردات والإجتراحات مع عمق في فلسفة اللغة ودلالاتها مما كان له بالغ الأثر في إظهار جماليات اللوحة السردية.
ومع إجادته للفصحى نزع الكاتب إلى تهجين النص بمفردات ومقولات وأمثال من قاموس الدارجية أضفت على النص إلفة وقرب لنفس المتلقي.
يجد البعض غرابة في المزاوجة بين الطب والأدب غير أن المتأمل يجد أن الطبيب وبتعمقه في التشخيص والمداواة هو الأكثر إلماما من غيره بمكنونات النفس البشرية وخباياها ،وقد افلح الكاتب في تجسيد ذلك عبر شخوص روايته.
في خاتمة هذه الحلقة أشير ودونما تفصيل إلى أدوات وظفها الكاتب تتمثل في:
الحصيلة المعرفية المتراكمة،
الإنفتاح على الفكر والأدب العالمي والمعرفة الوثيقة بالأدبيات السياسية إطلاعا وقربا ومعايشة.
وأخيرا، حتما كان لتجربة المهجر بالغ الأثر في إلهاب عاطفة الكاتب وتوهجها شوقا وحنينا إلى الوطن والديار ومراتع الصبا فكتب وسرد بعاطفة مثقلة بتباريح هوى الوطن.
في زمن الغربة والإرتحال ..
تأخذني منك وتعدو الظلال ..
وأنت عشقي ..
حيث لا عشق ياسودان ..
إلا النسور الجبال ..
ياشرفة التاريخ ..
يا راية منسوجة ..
من شموخ النساء..
وكبرياء الرجال ..
الطيب الكامل قنات
30/7/2026
adabwathagafa@protonmail.com
