adamo56@hotmail.com
تجربة السودان مع أمريكا مريرة للغاية على صعيد التعاطي الرسمي الثنائي ، سواءا مع نظام الإنقاذ أو الحكومات التي سبقتها في حكم البلاد والشواهد أكبر من أن تحصى !. لقد سبق لي وأن سردت كيفية تعاطي سائر المبعوثين الأمريكان الذين سبقوا اسكوت غرايشن ، ولا حاجة لي في ترديد ما قلته عن تجاربهم الحاضرة في اتخاذ مواقف مغالية في البداية قبل بدء مهامهم لأجل الاستهلاك السياسي الداخلي وكسب مجموعات الضغط واللوبي الصهيوني ، ثم إمساك العصي من نصفها بتغيير اللهجة الحادة وانتقاء بعض عبارات المجاملة والتلطيف عبر ما يصدر من تصريحات لهم لأجل ترغيب الخرطوم في استقبالهم وفتح الطريق أمامهم لزيارة السودان وقلوبهم تستهدف الجنوب ودارفور حصريا من خلال البرامج التي يختارونها عند كل زيارة !. ثم العدول في نهاية المطاف عن هذه المواقف بمواقف أكثر تشددا والتوصية لحكومتهم بتشديد الخناق ومواصلة الضغط على السودان عبر سيل العقوبات والقرارات التنفيذية الرئاسية ومحاصرته داخل المنابر الدولية والإقليمية ، هذا سلوك أمريكي مكرس في كل من تعاقبوا على تمثيل أمريكا لدى السودان منذ مجيء الإنقاذ والى يومنا هذا سواءا كانوا يمثلون الحزب الديمقراطي أو الجمهوريين فالمصالح الأمريكية لا تتبدل وان تبدل الأشخاص ومسارات السياسة ، تلك البدعة الأمريكية ( المبعوث الأمريكي الخاص ) التي بلا شك كانت خصما على علاقات البلدين ثنائيا في تخفيض حجم التمثيل وانتقال الملفات وتعليقها ، سيما وان معظم من حملوا هذا اللقب لا يملكون إرادة تفوق مراكز إرادة صانعي القرار ، و ليس بمقدورهم كسب كافة الجهات التي تصنع السياسة والقرار في الولايات المتحدة ، فان كانوا أقرب للخارجية عارضتهم الأجهزة الأمنية والبنتاغون والكونغرس وهكذا دواليك !. وهذه واحدة من تقسيمات الأدوار ولعبة المصالح التي تجيد صناعة الوعود ، وفتح الممرات بقدر ، وإغلاقها وقتما اصطدمت بالاستراتيجيات والبرامج المعدة قبلا ، ولعل اختيار رجل بخلفية عسكرية ( غرايشن ) له مدلولاته في هذا التوقيت ،حيث سبقه دانفورث وهو قس أمريكي معروف ، وناتسيوس بالخلفية الأكاديمية وعمله في المنظمات الإنسانية ، ثم وليامسون الذي يجمع بين الأكاديمية والدبلوماسية ، ومن قبلهم ماليسا ويلز ، وزوليك ، وغيرهم ممن ارتبطوا بدوائر المخابرات الأمريكية والذين جابوا مناطق النزاعات في السودان وأسهموا بقدر كبير في تدويل المشكل السوداني والتباعد بين الولايات المتحدة والسودان ، وتعقيد الحلول باتجاه مشاكله رغم ظاهر الانجاز الذي تحقق في اتفاق السلام الشامل ودارفور ، ولكن المحصلة النهائية لهذه الآلية ألغت بظلالها على إشكالاتنا الداخلية وعلاقاتنا الخارجية التي استهدفتها أمريكا بسلسلة من العقوبات كانت نتائجها على الشعب السوداني مباشرة وبقيت الحكومات تساير أوضاعها وتتجاوز مطباتها رغم القصف الأمريكي المباشر على مصنع الشفاء ، ومنح السلاح والعتاد الحربي للتمرد بكل تشكيلاته ، ودعم المعارضة على تباينها ، وابتزازنا إعلاميا من داخل صفنا الوطني وعبر الحملات الدولية الممنهجة ، والسكوت عن القصف الاسرائيلى لشرق البلاد مؤخرا ثم تسويف حلحلة قضية دارفور وتعقيد مطلوبات الحل في الجنوب !.
هذا بعض حصاد المبعوثين الخاصين لأمريكا في السودان ، فالبلاد تحصد كما هائلا من الاتفاقيات مع الأطراف داخليا وبرعاية أمريكية وانخراط شكلي غير فاعل ، ولكن وسائط وآليات تنفيذ هذه الاتفاقيات تبقى معلقة بالالتزامات الدولية التي تتبعها والدعم المستحق لاستدامتها ، ويظل ما تفعله الدولة بقدراتها المحلية المحدودة لا يفي بجعل هذه المعاهدات تصل إلى أهدافها المرجوة وإنما ينتج عنها في المقابل تداعيات كبيرة ومظالم تجعلها تفقد قيمتها بل وتفاقم من أزمات البلاد الماثلة ، وهذه بعض ما تريده النوايا الخارجية باستعمارها الحديث !!. فالوعد الأمريكي بإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ، وتعليق العقوبات على السودان لم يكن غرايشن أول من نطق بها ،وقد سبقه قبله ممن أرسلت بهم أمريكا ولكن يبدو أن ذاكرتنا لا تسطر هذه المواقف ولا تستدعيها ، واني لاستغرب هذا الترحيب والتهافت من قبل بعض مسئولينا لمجرد كلمات عابرة رمى بها المبعوث في خطابه أمام الكونغرس وبعض التعليقات الايجابية لنواب الكونغرس عليها ممن زاروا السودان ورأوا بأعينهم حقيقة ما يجرى والجهود التي تبذل لأجل السلام والاستقرار في دارفور وتنفيذ اتفاق السلام الشامل في الجنوب !. لم نمنح أنفسنا مجرد فرصة لسبر غور هذه التصريحات وما سيتبعها من خطوات عملية لتجسيد هذا الوعد وانجازه كخطوة هامة في كشف حقيقة التغيير الذي ينشده أوباما وكم تغنى به في شعاراته وبرامجه ولكن واقع الحال وبنظرة فاحصة لسياسات أمريكا في المنطقة من أفغانستان والعراق والصومال لا يبشر بأي اتجاه في هذا الصعيد !. إضاعة الوقت إزاء محادثات الدوحة يكشف تهرب أمريكا ومبعوثها من وضع حد لاستئناف الجولة وعقد القمة المرتقبة بين البشير ودبي لطي صفحة مهمة ومكملة لملف التسوية في دارفور ، ومواقف أمريكا باتجاه الجنائية أكثر غموضا وان كانت مفضوحة في هذا الجانب ولا تخفى فرحتها واستفادتها من مصادقة المجموعة الأوربية على الميثاق من أيام كإحدى حلقات الضغط في التسويات القادمة !. وتبعثر الحركات المتمردة في دارفور وتباين مواقفها ومنابرها في ليبيا ومصر وفرنسا وتشاد وبريطانيا وداخليا رغم حركة الوسيط الدولي المشترك يؤكد عدم الرغبة الأمريكية في حشد هذه المجاميع على صعيد واحد ودفعها بقوة صوب التسوية السلمية واستكمال استحقاقات ملف دارفور !.
المبعوث الأمريكي غرايشن بدأ أكثر جرأة و ثقة و تفاؤلا من سابقيه ولكن عقبة الملف الثنائي التي استنفد السودان كافة المطلوبات باتجاهها وبات ينتظر ما ستسفر عنه الأيام القادمات من وعود قطعها المبعوث على نفسه والحرج يلفه في الإيفاء بها ، ستسحب البساط من تحت أرجله إن لم تعجل بفنائه لأنه لا يتوقع له أن يحدث الاختراق المطلوب ويكون السودان أول الدول التي تتصدر المصالحة والتوافق مع أمريكا في ظل الواقع الدولي الراهن إلا أن تحدث معجزة خارقة وتكف أمريكا عن المطالبة بتعليق الملف النووي الايرانى !. لأمريكا حيلها في الالتفاف حول الإجراءات الداخلية بين الكونغرس والرئاسة الأمريكية والقيود التي توضع بينهما في التقدم باتجاه أي ملف أو تسوية ، ولهم من الحسابات في تقدير المواقف والتقدم خاصة إذا ما تعلق الأمر بالسودان ، وهذا ما بدا في عدم قطع المبعوث الأمريكي بسقف محدد في رفع السودان من قائمة الإرهاب ورفع العقوبات الاقتصادية ، بل هنالك من الجوانب التي ستراعيها أمريكا وهى تتقدم باتجاه الحكومة في إرضاء حلفائها بالداخل ( الحركة الشعبية ) و لا يمكنها أن تقدم على خطوة تقوى المؤتمر الوطني وتضعف حليفها الذي يعانى مشاكل بنيوية وسياسية جمة والانتخابات تحاصره وهو يتوارى تحت أقنعة واهية سرعان ما تكشفها الشمس الساطعة !. لقد سبق لي أن نبهت إلى مغبة الإفراط في التفاؤل بأي وعد أمريكي ولا يضيرنا أن نرمى بالكرة في ملعبهم وننتظر نتائج حراكهم الداخلي ، ولكن ليس من المصلحة التغني بخطواتهم أو التعويل على تصريحاتهم ذات الهدف المقصود والتوقيت المحكم وتجاربنا تؤكد صدقية ما ذهبت إليه !. هنالك مصلحة كبرى في أن تتجاوز أمريكا على عهد أوباما ومبعوثه غرايشن والقائم بالأعمال الأمريكي بالخرطوم الجديد ( وايت هيد ) كل الخلفيات غير المؤاتية التي ضربت صدقيتهم والتي سبقت تعامل أمريكا مع السودان خاصة وأنهم يتعاملون مع شخص بحجم ( الدكتور/ غازي صلاح الدين ) الذي سيحصى عليهم أنفاسهم بمنهجه الدقيق ومتابعته الثبورة لهذا الملف وتداخلاته مع الملفات الأخرى !. مطلوب من أمريكا أن تتجاوز مربع الصدقية هذا بخطوة كبيرة تتجاوز المألوف و تدفع بالانفراج المطلوب في كافة المسارات أو تعيد الطرفين إلى المربع الأول وهذا ما أرجحه في ظل قناعتي الذاتية بأن مصلحة أمريكا في إبقاء الأوضاع على ما هي عليه في ظل تمساك المؤتمر الوطني وسيطرته على الأمور ، و طالما أن الأيام القادمة ستزيد من شعبية البشير وتؤكد على قيادته لسودان ما بعد الانتخابات المعلنة في 2010 م !. ولعلى أشاطر النظرة المصرية التي عبرت عنها بعض المصادر المطلعة ، إلى ضرورة التعامل بحذر مع ما صدر عن المبعوث الأمريكي غرايشن في رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب على ايجابيته ، وفى حال حدوثه ستشكل هذه الخطوة سابقة تاريخية في السياسة الأمريكية وهذا ما نتطلع إليه ! . علينا أن نتعامل مع هذا التوجه دون تسرع أو تعجل حتى نرى أشراطه تقف واقعيا في ظل العداء المفرط الذي تواجهه بلادنا من قبل المؤسسات الأمريكية ، الكونغرس أو الأجهزة الإعلامية أو مجموعات الضغط !. هنالك عقبات جسام غير مرئية ستكشفها الأيام ما إن كانت أمريكا جادة في نواياها لمراجعة سياساتها تجاه السودان ودعم العملية السياسية بالبلاد أم أنها خطوة تكتيكية كسابقاتها أملتها ظروف معينة لتحقيق هدف ما ، والذي ينظر إلى ردة فعل الحركات الدارفورية إزاء توجهات غرايشن ، وما تحدث عنه وطلبه أمين عام الحركة الشعبية باقان للمسئولين الأمريكان في زيارته الأخيرة لواشنطون يدرك صعوبة إن لم تكن استحالة ما وعد به مبعوث أوباما ولا يسعنا غير الانتظار !!…
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم