لم يحظي زعيم سياسي مثل حمدوك علي مر التاريخ السوداني الحديث من دعم شعبي غير مشروط كان فرصة نادرة لاستثماره ليدخل به التاريخ من أوسع أبوابه ليستحق بالفعل لقب مؤسس الدولة السودانية الحديثة بعد سنوات طويلة من التيه والتخبط كلفت البلاد والعباد الكثير من المعاناة والحروب الأهلية التي اتت علي الأخضر واليابس حتي أصبح السودان من أكثر الدول فقرا وتخلفا
ثورة ديسمبر المجيدة كانت فريدة في نوعها ومثال يحتذى به من شعوب العالم التي تتطلع للحرية والسلام والعدالة الإجتماعية .. للأسف النخب السياسية التي تمثل الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني لا تعرف قيمة الثورة بقدر معرفتها لمصالحها الخاصة الضيقة .. الثورة فقدت البوصلة وحادت عن أهدافها لانشغال الجميع بالمناصب والمحصاصات وتقسيم كيكة السلطة في ما بينها وتناست هموم الشعب المطحون الذي واجه الازمة الاقتصادية بالصبر والتضحية علي امل أن تعود النخب السياسية الي رشدها وتتعظ من تجارب الثورات السابقة .. لكن هيهات. .. فقد تكرر نفس المشهد ونفس الانانية التي تضع دائما المصلحة الوطنية في ذيل القائمة ..
لقد خسر حمدوك السند الشعبي عندما راهن علي تجديد التحالف مع المكون العسكري الذي غدر بالثورة مرات عديدة ابتداء من مجزرة فض الإعتصام حتي محاولة الانقلاب الأخيرة علي السلطة المدنية في ٢٥ أكتوبر الماضي .. لقد اندهش الجميع في الداخل والخارج من ذلك الإتفاق السياسي الذي وقعه حمدوك مع الطاغية البرهان الذي يمثل اللجنة الأمنية لنظام المخلوع .. أراد حمدوك أن يفرض وصايته علي الشعب ظنا منه أنه سيملي شروطه بتسويق اسباب واهية رفضها الشارع السوداني من اول وهلة بعد ان ضيق الخناق علي السلطة الانقلابية وكاد أن يطيح بها لولا خروج حمدوك مع البرهان بذلك الإتفاق البائس الذي يشرعن الانقلاب ويكرس السلطة في يد العسكر ..
استقالة حمدوك لن تؤثر علي المشهد السياسي القادم في السودان لأن الرجل أصبح كرتا محروقا لدي العسكر وفقد ثقة الشارع الممثل في لجان المقاومة وتجمع المهنيين وقوي الثورة الحية .. الاستقالة سوف تفتح الباب واسعا لبروز قيادات جديدة قوية من الشباب لتكمل مشوار الثورة بدون تفاوض ولا مشاركة مع العسكر .. الآن سوف تنحصر المعركة بين الشارع واللجنة الأمنية المدعومة من فلول العهد البائد من الكيزان وتجار الدين ومن لف لفهم من الفاسدين والمنتفعين من فتات السلطات الديكتاتورية ..
الخطوة الأخيرة التي اقدم عليها حمدوك بالاستقالة تستحق أن نقول له *شكرا حمدوك* لأن استمراره في المنصب سيكون خصما على الثورة ..
د. عبدالله سيد احمد
abdallasudan@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم