استحقاقات المرأة في خطاب الإسلاميين، د. محمد المجذوب نموذجاً .. بقلم: فاروق أحمد يحي

 

تُعد المرأة وقضية تحريرها واحدة من القضايا التي ثار حولها جدل كثيف وسجالات مطولة بين التيارات السياسية والفكرية والدينية في الساحة السودانية مع ثورة ديسمبر، وقد كان وما برح للإسلاميين -على تعدد تياراتهم- تصورهم لهذه الإشكالية التي يرون أن حلها جاهز في الإسلام ولا يحتاج إلى مقابسات من الفكر الغربي الموحول أصلاً بتاريخ طويل من اضطهاد المرأة، فهو غير حقيق بالنظر والاعتبار.

وقد تابعت في ذلك محاضرة مهمة بتاريخ 15 أكتوبر 2019م بعنوان (حرية المرأة السودانية دعوة للتحرر أم للتحلل) لأستاذ الفكر السياسي بجامعة النيلين والباحث الإسلامي د. محمد المجذوب الذي أفاض في طرق قضايا المرأة بالسياق الأوربي وقارب المناهج الغربية في التعاطي مع المرأة مع السياق الإسلامي، بيد أنني خرجت بعدها بمجموعة من الملاحظات حول ما ساقه الدكتور -الذي أكن له تقدير كبير لرصانته في تناول الأمور- من أفكار ومقارنات خصص فيها جل وقته لتقريع الفكر الغربي وممارساته تجاه المرأة، ولعلي أبدأ بملاحظة ربما لاحظها غيري؛ وهي أن عدد من الباحثين والمشتغلين بالفكر من الإسلاميين قد أصبحت لديهم بعد الثورة حدة واضحة في إقبالهم على مناقشة الشأن العام، وليس أدل على ذلك مما بدى لي من الدكتور من نزوع نحو التجاوز والانفعال أحياناً المغاير لسمْته المعهود في تناوله للقضايا وعرضه للأفكار، ولعلّها إسقاطات الواقع السياسي والصراع الأيديولجي الذي تشهده الساحة السودانية قد ألقت بظلالها على فكر الرجل، وقد أشار المجذوب نفسه إلى شيء من ذلك في معرض حديثه المطول الذي سنتوقف عند جزئيات منه تمثل في نظري تصورات لا تؤسس لتوجه عملي نحو تحرير المرأة في سياقها الإسلامي. وسأبدأ من نقطة تلاقي مع المجذوب وهي أن الفكر الغربي في تعاطيه مع المرأة قد نشأ في سياقاته الخاصة، وأنه من غير الوجيه محاولة استيراد تجربة إنسانية لها ظروفها، إلى بيئة مغايرة، وربما وافقته الرأي أيضاً في أن الغرب مُثقل بتاريخ طويل من قهر المرأة، وواقع مرير في تسليعها مع طغيان العولمة وتفحُش رأس المال. ولكن إشكاليتي مع ما طرح “وأظنها إشكالية المرأة في المقام الأول” هي طبيعة ما قدمه الدكتور من بدائل وحلول كانت في نظري تستدعي منه إقبالاً أكثر جدية وموضوعية حتى تتسق مع توجهه المعرفي الذي وعدنا به، فقد قال في صدر حديثه إنه يريد للمحاضرة أن تقوم على أرضية تبحث توجه النخب الساسية الحاكمة في البلد وأن المحاضرة ليست نقاشاً فقهياً بحال وإنما هي توجه إلى السياقات المعرفية والفلسفية للكشف عن أطروحات العلمانيين الداعية إلى تحرير المرأة.

عدّ الدكتور الحركات الأنثوية التي يشهدها الغرب توجها معاكساً للثقافة الذكورية التي سائدت المجتمعات الأوربية، أما من وجهة النظر الإسلامية فإن المجذوب زعيم بأن (السياقات الاسلامية لم تُطرح فيها مثل هذه العلاقة الصراعية ما بين الرجال والنساء لأن الرؤية الابتدائية للدين الإسلامي لا تقوم على معنى صراعي بقدر ما تقوم على أنهما جميعاً خُلقا من النفس الواحدة الرجال والنساء .. وبالتالي تصبح أطرحات الأنثوية لا معنى لها في مجتمعاتنا، لأن الصراع غير قائم). وهذا الطرح في مجمله مقبول ولكنه أقرب إلى المثالية القاصرة عن استصحاب إشكاليات الواقع، فوجود النصوص المقدسة والمتون لا يضمن سلامة التطبيق، ذلك لأننا في حظيرة الإسلام اليوم تحكمنا جملة أشياء منها الظروف السياسية والاقتصادية المعيشة، فضلاً عن أنماط التدين لدى المجتمع؛ حيث يخلط المسلمون الدين مع قيم اجتماعية ليست متسقة دائماً مع جوهر القيم الإسلامية، والأمثلة على ذلك تفوق الحصر، فكون السياقات النظرية للإسلام غير وارد فيها إشكال المواجهة على مستوى النوع لا ينفي احتمالية وجودها عملياً، ولا ينفي ضرورة بحثها ومعالجتها نقدياً، سواء كان الاستمداد في ذلك من هَدي إلهي مقدس أو تنظير وضعي.

أشار الدكتور إلى أن العولمة الرأسمالية الغربية تتعامل مع الإنسان (كرقم من أرقام الاستهلاك أو الإنتاج .. وكذلك المرأة يتم النظر إليها كسلعة حتى تم إدخالها في المهن الرجالية التي لم تكن لها من قبل، بُغية توفير الأيادي العاملة والأرباح للرأسمالية). وهذا متفق عليه ولكن، ما ينبغي لهذا القول أن يكون مقصوراً على الغرب وحده فالرأسمالية في الإقليم الإسلامي -الذي نفى الدكتور عن سياقاته وجود الصراع النوعي- يحدث فيها هذا، والبرجوازية السودانية ذات الطابع الإسلامي التي حكمت السودان خلال العقود الثلاثة المنصرمة فعلت ذلك. إن المرأة لحظة كتابة هذه السطور في أقاليم السودان المختلفة والطرفية منها بشكل خاص كدارفور مثلاً منخرطة في الأعمال الشاقة كتصنيع الطوب وتشييد المباني ونقل مياه الشرب لمسافات طوال إلى غير ذلك من المهن التي تؤدي بالمحصلة إلى سحق المرأة مقابل توفير أيدي عاملة زهيدة لأصحاب الأملاك، وهنا يجدر بنا الاعتراف بأن الأزمة واحدة غرباً أو شرقاً، واختلافها إنما هو اختلاف مقدار لا أكثر.

تعليقاً على حق المرأة في فسخ عقد الزواج يقول المجذوب بعد مقاربة أجراها مع السياق الغربي الكنسي الرافض للطلاق أصلاً، يقول (أما الإسلام فلا يعاني من هذه المشكلة، حيث يطرح نوعين من فك الارتباط، أولاً: عقد الزواج يقوم على التراضي فإن أرادا فصالاً عن تراض منهما و تشاور .. ما زي السودانيين يطردها ويقول ليها ما تمشي أهلك) وهنا يتنبه المجذوب إلى ما ألمحنا إليه سابقاً حول “أنماط التدين” للمجتمع المسلم الذي يتداخل عنده الدين مع قيم مورثة، تدفعه إلى طرح الدين جانباً في سبيل التكريس لمنافع ذكورية أخرى، بيد أن هذه الانتباهة لم تثمر عن بدائل مذكورة.

يستطرد الدكتور في نقد سيداو حيث يقول (الاتفاقية تقيد حق معاشرة الزوجة .. إذا زوج طلب زوجته ورفضت وأكرهها فمن حقها أن ترفع قضية يسموها الاغتصاب الزواجي، يعني المشاكل البتحصل في البيوت بكرة تُنشر في المجلة القضائية وقدام القاضي والرأي العام وجريدة ….) وتبدو واضحة في هذا القول الأهمية الكبيرة للتستُر والكتمان، في مقابل ما تتعرض له المرأة من أذى وكبت، بصورة لن يكون معها مستغرباً تبدل العلائق البشرية إلى حالة من النفاق الاجتماعي. كما تفسح المجال لتقدير الزوج وقوة انسياقه للوازع الديني، فالمجذوب يورد قول الله تعالى (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) صدق الله العظيم، ليكون تدين الرجل ومدى امتثاله لتوجيه الله المنصوص (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ) هو المنجاة المتاحة أمام الدكتور، ولا تثريب عليه في ذلك، ولكن ماذا عن العُصاة غير الملتزمين بالوعظ القرآني وقد أوصد الدكتور أبواب المحاكم مخافة الفضائح؟!.

قطع الدكتور محمد المجذوب مسافة بعيدة في الشطط على اتفاقية “سيداو” عندما قال إن (الاتفاقية تقول نرفع سن الزواج .. ولكنها لا تمنع الفتيات والفتيان ممارسة الجنس قبل هذه السن). وكان الأقوم له وهو الأكاديمي والباحث أن يضع لنا أصبعه على ما يبيح ذلك في الاتفاقية، ما لم يتقصد إلى حشد العوام وتعبئة الجماهير ضد سيداو، وهي مهمة أكرم له ولنا أن ينهض بها غيره، فالبلاد لا تشكو هذه الأيام من قلة الحاشدين ومثيري الدهماء.

يطرح الدكتور مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ويوجب على الشباب الحاضرين منع نسائهم من لعب كرة القدم حيث يقول (لازم تقول دا غلط، وما تخلي بتك، أختك تمشي تلعب كورة، كيف الكلام دا .. في زول بخلي اختو تمشي تلعب كورة، فيكم زول بعمل كدا في أخت بتقبل لأختا تمشي تتنطط قدام الرجال تلعب في الكورة، عيب أخلاقي وديني وعقدي، ما في كلام زي دا .. لازم نمنعوا كمجتمع، بت جاري ما بخليها ولا بت أهلي ولا بخلي بنوتي ولا أخواتي). وإذا وافقت الدكتور فرضاً وسلمت له جدلاً على رفض لعب البنات لكرة القدم، فإنه ما يزال الشك يلازمنى عما سيحدث للكرة الأرضية إذا وجه الدكتور حديثه للمرأة مباشرة وجعلها حكماً على نفسها وعلى عقلها وسلوكها، دون أن ينصّب لها وصاية من “أخ ذكر” أو “ود الجيران”، لماذا يتجاهل أو ينسى الدكتور أن لهذه البنت لُب يستوعب و”يهتدي” دون مناهج التسلط التي أضرت بمجتمع السودان أكثر مما نفعته.

يلخص الدكتور حديثه بعد استعراض جملة من إحصاءات الفشل الغربي تجاه المرأة فيقول عن سيداو (بالله عليك الله دي نهاية نحن عايزين ننتهي ليها عشان يجو يعملوا لينا سيداو .. سيداو شنو هنا؟! نجاهد في الموضوع دا نحن، مافي كلام زي دا .. دي قيم بنحرسا بأموالنا وبأنفسنا وبكل ما نملك، مافيش فرصة للتلاعب بالقيم). ولا يخفى على القارئ مستوى الشعبوية الذي بلغه خطاب الدكتور محمد المجذوب والذي كان يُنتظر منه أن يكون هادئاً وعلمياً يناقش الأشياء بموضوعية منتجة. ويجدر التأكيد على أن كاتب المقال هنا لا يدافع عن اتفاقية “سيداو” وله على بنودها اعتراضات، كما أن للدول المنضوية تحت مظلتها تحفظات أبدتها للأمين العام للأمم المتحدة، ومنها دول عربية كالسعودية والجزائر والأردن وموريتانيا وسوريا وغيرها، ودول إسلامية كتركيا، وماليزيا والباكستان. فهذه الاتفاقية الأممية التي تضم (189) دولة منها (16) دولة عربية، غير حصينة من النقد والاعتراض والحركات النسوية الراديكالية أيضاً ترفضها وترى فيها تكريساً لهيمنة الرجل على المرأة، فالاعتراض مكفول ولكن يحسن بنا أن نُقبل عليه بالاهتمام اللازم البعيد عن الانفعال العاطفي والخطاب التعبوي، والعمل على تقديم طرح عملي يلامس واقعنا الراهن كغيرنا من البشر، دون الركون إلى إنتاج نظرية المؤامرة بأن السودان لديه قيم عُرضة للضياع، وأن هذه القيم دونها الأموال والأرواح، فقد شبع الناس من هذا الخطاب حتى بشموا.

Farog20@gmail.com

///////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً