أواب عزام البوشي
على وقع اشتباكات الدبة التي اهتزت لها الولاية الشمالية، وراح ضحيتها قتلى وجرحى بين القوات المشتركة لحركات دارفور ومواطنين، تطرح قراءة المشهد أكثر من علامة استفهام حول توقيتها وسياقها. فما جرى لم يكن مجرد احتكاك قبلي أو أمني عابر، بل قد يكون مؤشراً على بداية مرحلة جديدة من الصراع غير المعلن بين الجيش والحركات المسلحة، هدفها الأعمق إعادة رسم خريطة النفوذ داخل المدن الكبرى.
فالمعلن أن الخلاف بدأ بسبب إشكالية تبدو بسيطة، لكن المتتبع للعلاقة بين قيادة الجيش الفريق البرهان والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، يجد أنها دخلت منذ أشهر في نفق من التوتر والصراع الخفي حول تقاسم السلطة والنفوذ الميداني.
وتشير قراءة سياسية معمقة للمشهد، استناداً إلى معطيات الميدان وتصريحات القيادات، إلى أن ما جرى في الدبة قد لا يكون مجرد احتكاك عابر، بل يأتي ضمن سياق أوسع يهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوة داخل المدن الرئيسية، وتقليص الوجود العسكري للحركات المسلحة فيها، تمهيداً لمرحلة جديدة من الحكم.
وتستند هذه القراءة إلى عدة مؤشرات رئيسية :
أولاً: صراع المناصب.. بين الشريك التنفيذي والدور التشريفي
في جوهر الأزمة الخلاف حول تفسير شراكة السلطة. فوفقاً لاتفاق جوبا للسلام، تنظر الحركات المسلحة إلى نفسها كشريك أساسي في الحكم، ولها الحق في مناصب تنفيذية سيادية. لكن في الآونة الأخيرة، برزت مؤشرات على رغبة قيادة الجيش في إعادة هيكلة السلطة، وتقليص دور هذه الحركات إلى مناصب تشريفية أو رمزية، وهو ما ترفضه الحركات التي تعتبر هذا التراجع انتقاصاً من مكانتها السياسية والتاريخية. هذا الصراع الجوهري هو الوقود الأساسي لأي احتكاك ميداني.
ثانياً: إضعاف النفوذ الميداني.. بورقة الاحتقان الشعبي
وجود الحركات المسلحة داخل المدن وليس فقط في معسكراتها منحها حضوراً ميدانياً وسياسياً مؤثراً، جعلها شريكاً فعلياً في إدارة الأمن المحلي. ومن منظور قراءة المشهد، فإن الطريقة الأكثر فعالية لإضعاف هذا النفوذ هي خلط الأوراق شعبياً، وذلك عبر خلق حالة من الاحتقان بين المواطنين وهذه القوات، وربط وجودها بالفوضى والانفلات الأمني، مما يدفع الرأي العام إلى المطالبة بإخراجها.
ثالثاً: انعدام الثقة يتجلى في العودة من كردفان
في مؤشر واضح على حجم التصدع بين الطرفين، قامت الحركات المسلحة عند بداية التوترات مع الجيش بسحب 3600 سيارة حربية من جبهات القتال في كردفان باتجاه الخرطوم، في خطوة شكلت ضربة استراتيجية لمحور الأبيض الذي ظل تحت حصار الدعم السريع. هذا الانسحاب المفاجئ، الذي تم رغم استمرار المعارك في الإقليم، لم يكن مجرد إعادة انتشار عسكري، بل حمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن هذه الحركات تضع خلافها مع الجيش في مقدمة أولوياتها، حتى على حساب الجهد الحربي المشترك. كما أن عودة هذه القوة الهائلة إلى العاصمة، في توقيت حساس، تعكس حالة انعدام ثقة عميقة بين الجيش والحركات المسلحة، وتكشف عن قناعة راسخة لدى هذه الحركات بأن قيادة الجيش تسعى إلى تهميشها وإخراجها من المعادلة السياسية، مما جعلها تفضل الحفاظ على قوتها الميدانية داخل المدن على المخاطرة بها في جبهات بعيدة.
رابعاً: خلق الغطاء السياسي للإخلاء.. السيناريو المتوقع
السيناريو الأكثر ترجيحاً بحسب هذه القراءة، هو أن تكرر مثل هذه الاحتكاكات في مدن أخرى، لتتشكل تدريجياً حالة من الغضب الشعبي تصل ذروتها بمطالبات واسعة بـ”تطهير المدن من الميليشيات”. وهذا بدوره سيوفر غطاءً سياسياً للقيادة العسكرية لاتخاذ قرار رسمي بإخلاء هذه القوات من المدن، أو إعادة انتشارها إلى مناطق نائية، تحت شعار “حماية المدنيين” و”فرض هيبة الدولة”. بهذه الطريقة، يُقدم القرار السياسي على أنه استجابة لإرادة المواطن، لا كخيار عسكري مفروض.
خامساً: اختبار الجاهزية.. الدبة نموذجاً
من الممكن قراءة حادثة الدبة كـ”بروفة” لاختبار رد فعل الحركات المسلحة وحالة الجمهور، ومدى قابلية المشهد للانفجار. فإذا مرت الحادثة دون ردود فعل سياسية قوية من الحركات، فقد يشجع ذلك على تكرار السيناريو في مناطق أخرى.
قراءة مفتوحة
يظل السؤال الأهم مفتوحاً على كل الاحتمالات:
هل ما جرى في الدبة مجرد حادثة أمنية عابرة سرعان ما تُطوى، أم أننا أمام بداية مرحلة جديدة لإعادة هندسة موازين السلطة والنفوذ في السودان؟
المؤكد أن الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت الدبة بداية لمسلسل إخلاء المدن، أم مجرد شرارة انطفأت قبل أن تشعل حريقاً أكبر.
awabazzam456@gmail.com
