اعادة النظر في توظيف عائدات البترول

د. حسن بشير محمد نور – الخرطوم

   

حكمت اتفاقيات نيفاشا بتوزيع معين لعائدات البترول بين الشمال و الجنوب و المناطق المنتجة. لا مناص من الانصياع لذلك الحكم الي حين نهاية الفترة الانتقالية و إجراء استفتاء تقرير المصير. حتي ذلك الوقت يمكن اعادة النظر في توظيف عائدات البترول عن طريق تحويل معظم إيراداته الي الاهداف الرئيسية الخاصة بالاستثمار في التنمية الزراعية و الصناعية و ترقية الخدمات الاجتماعية ، سيكون ذلك الاتجاه متوافقا مع توظيف العائدات في البنيات التحتية اللازمة للتنمية و التوازن في توزيع مشروعاتها و الخدمات و وضع التنمية الريفية ضمن اولويات الخطط الاقتصادية. تدور الان معارك حامية الوطيس بين شريكي نيفاشا حول حجم عائدات البترول و توزيعها و استخدامها، جرت معها كما هو معروف اتهامات جهرية بالفساد . و من المعروف من اطلق تلك الاتهامات و لمن و قد تم بعض ذلك عبر اجهزة او شخصيات رسمية علي مستوي عال في الدولة بمختلف مؤسساتها. بما ان اسعار البترول قد بدأت تستعيد جزءا من عافيتها و وصلت مستوي الستين دولار فيمكن القول ان تلك اسعار جيدة و ستوفر موارد لا بأس بها . اذا تم توظيف حوالي 50% من تلك العائدات في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية فيمكن ان يكون لذلك مردودا جيد علي المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و لانعكس ذلك إيجابا علي المناخ السياسي.

 

اذا تم توظيف عائدات البترول في التنمية لكان المردود واضحا و لحس المواطن باثر ذلك علي حياته في المأكل و المشرب و العمل و الانتاج و التعليم و الصحة الخ ، و لما كان هناك سبب للتراشق باتهامات الفساد و تبديد المال العام و تحويله الي مكاسب شخصية. لقد تحول السودان بقدرة قادر الي دولة بترولية بفضل 500 الف برميل في اليوم و هذا في حد ذاته يعتبر مؤشرا علي عطالة الاقتصاد السوداني. في اكبر بلد في افريقيا و بعدد سكان يبلغ حوالي 40 مليون نسمة و بثروات طبيعية ضخمة و اراضي صالحة للزراعة و مياه لا يستخدم منها الا القليل فان انتاج 500 برميل بترول في اليوم ما كان يصلح الا كعامل مساعدا للاقتصاد و لكن ليس البند الرئيسي للإيرادات العامة في موازنة الدولة و 95% من الصادرات. تلك هي العطالة الاقتصادية بشحمها و لحمها. لكن ما دام الامر كذلك فيجب ان نكون واقعيين و ان نسعي الي التغيير. لا يعتبر ما قلناه تبخيسا لدور البترول في الاقتصاد السوداني لان له فضل كبير في استقرار  الوضع الاقتصادي و السياسي في السودان لكنها دعوة للتغيير نحو الافضل. ذلك التغيير يعني شركاء الحكم الكبار و كل المتحالفين معهم كما يعني السلطة التشريعية و الاحزاب السياسية التي سجلت نفسها استعدادا للانتخابات.

 لتوضيح هنا فان الاقتصاد البترولي المقصود به ذلك الذي يتولد فيه ما لا يقل عن 50% من الدخل القومي من عائدات البتررول، و في السودان لم يصل الوضع الي ذلك الحد . مع ذلك فان حوالي 50% من الموازنة العامة و حوالي 95% من الصادرات تأتي من البترول و هو وضع شاذ (Odd ) للسودان. بما ان الدولة هي المتحكمة في البترول فمن السهل توجيه عائداته نحو التنمية و سيكون ذلك كسبا حقيقيا للجميع في الجوانب المادية و البشرية و كذلك في الكسب السياسي. تحتاج التنمية الي قرارات راشدة والي توافق قومي و الي سرعة في التنفيذ لان الاقتصاد العالمي اليوم يتحرك بسرعة مما يتطلب مواكبة الحراك الاقتصادي ، لان البطء في تدوير عجلة التنمية يعني التخلف و في هذه الحالة ( التخلف ، التي تعتبر واقعا في معظم مناطق السودان ) سيصعب الاصلاح خاصة في الجوانب البشرية لان قابليتها للإصلاح أصعب بكثير من قابلية الجوانب المادية في التنمية. 

عن د. حسن بشير

د. حسن بشير

شاهد أيضاً

اذا اردت ان تكون انسانا فكن (سيد عكاشة)

أ.د. حسن بشير محمد نور كان سيد انسانا حقيقيا بسيطا جدا مليئا بالحب والجمال وكان …

اترك تعليقاً