الآثار السالبة لتعدد الاحزاب والتنظيمات السياسية بالسودان .. بقلم: محمد حمد مفرّح
21 يوليو, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
103 زيارة
أود، عطفا على ما اشار اليه د. حسين عمر عثمان، استاذ الادارة بجامعة الملك خالد بأبها – المملكة العربية السعودية، في مقاله المنشور في الأيام القليلة الماضية بموقع (سودانيز اونلاين) بعنوان ” هل ترقى كثرة الاحزاب و التنظيمات السياسية بالسودان لدرجة الفوضى”، اود الادلاء بدلوي في هذا الموضوع محاولا تسليط الضوء على كثرة هذه الاحزاب و مدى تأثيراتها السالبة على راهن و مستقبل العملية السياسية بالبلاد.
أقر، في البدء، بحقيقة أن د. حسين قد اصاب كبد الحقيقة و أبان بجلاء تعقيدات المعضل السياسي الراهن لبلادنا و تأثيراته في المستقبل المنظور، من خلال اشارته اللماحة الى ان كثرة الاحزاب السودانية التي تناسلت ابان حكم الانقاذ و انعدام الضابط السياسي الذي يضبط عملها فضلا عن انعدام ميثاق الشرف المبني على القيم و مراعاة المصلحة الوطنية العليا تمهد، مجتمعة، الطريق الى فوضى سياسية يمكن ان تخلق متاريس تعيق الفترة الانتقالية و ربما تفضي الى انزلاق البلاد الى مالات وبيلة.
و كما اشار د. حسين فان تكوين هذه الاحزاب قد تم لاعتبارات ترتبط فحسب بمصلحة حزب المؤتمر الوطني دون استيفاء الاحزاب المعنية للشروط المفترض توافرها في الاحزاب حتى تؤدي رسالتها السياسية و الوطنية بما يخدم مصلحة البلاد و يسهم في توطين و ترسيخ نظام الحكم الديموقراطي بالسودان.
و قد افرز ذلك الواقع السياسي، اي واقع تكوين احزاب تقف على ارضية هشة من الوعي السياسي و تعوزها البرامج التي تخاطب القضايا الوطنية الاساسية و الملحة، افرز احزابا لا يعول عليها في لعب دور محوري في الاسهام في الاخذ بيد البلاد و العمل على اجتراح الحلول الناجعة لقضاياها الملحة: قضايا السلام و الاستقرار السياسي و الوحدة الوطنية و التنمية سعيا وراء فضاءات النهضة في سبيل اللحاق بركب التطور الدولي.
و أود ان اؤكد، هنا، انه قد آن الأوان إلى ان تخضع عملية تكوين الاحزاب بالسودان الى معايير صارمة تتسق مع مطلوبات الحكم الراشد و الديموقراطية المفضيان الى تحقيق النهضة و رفاه الشعب.
و بالقطع يمكن وصف الساحة السياسية بالسودان، و الحال هذه، بأنها:
A big forest full of wolves willing to eat each other.
.(غابة كبيرة مليئة بذئاب مستعدة لأكل بعضها البعض)
و هذا لعمري يمثل دركا من التردي الاخلاقي في الممارسة السياسية نربأ ببلادنا ان تكون فريسة له.
و تبعا لذلك فان ثمة حاجة ماسة للجم هذه الغوغائية السياسية بهدف وضع حد للتيه السياسي الذي تغذيه خلايا الانقاذ التي طفقت تنشط في الساحة، في ظل ترك الحبل على الغارب لها و عثورها على هامش تتحرك فيه.
و من الواضح و الجلي ان الراهن السياسي السوداني يتسم بتعقيدات جمة. و يشتمل المشهد السياسي بالطبع على المجلس العسكري الممسك بزمام الامر في السودان من خلال سياسية الامر الواقع ثم قوى اعلان الحرية و التغيير التي وقع معها المجلس العسكري اتفاقا من المفترض ان يفضي إلى تكوين حكومة انتقالية، علاوة على الحركات المسلحة. كما ان هناك قوی سودانية اخرى واقفة على الرصيف و ترنو ببصرها الى نصيبها المفترض في الكيكة دون التفكير من قبلها في الايفاء باستحقاقات ذلك من خلال لعب دور وطني داعم للعملية السياسية.
و من جهة اخرى فان هناك سدنة النظام السابق و رموزه و كتائب ظله و خلاياه بالاضافة الى الاحزاب الاخرى التي شاركت في حكومة الانقاذ. غني عن القول أن الانقاذ ما زالت، كدولة عميقة مفترضة، و مهما قلل الناس من شأن ثورتها المضادة المتوقعة، ما زالت تشكل خطرا يتهدد البلاد لا سيما و انها جبلت على عشق السلطة بل و (الموت فيها)، فضلا عن امتلاكها اليات مقدرة من المقاومة مع هامش تحرك داعم. و ليس ادل على ذلك من الاخبار التي تواترت خلال الأيام القليلة الماضية مفيدة باجتماع سري لبعض رموز و قيادات الانقاذ بحي ام بدة ضم 1500 عضو و اتخذ قرارات تؤكد محاولات الانقاذ استرداد حكمها.
و من المؤكد انه اذا اضفنا الى هذه التعقيدات الفراغ السياسي القائم و الوضع الاقتصادي الجامح التدهور سنقف على حقيقة خطورة الوضع بالبلاد في ظل تحديات خارجية تفتح الابواب مشرعة للمالات المدمرة.
و في اعتقادي انه تبرز في مثل هذه الظروف الاستثنائية الحاجة الماسة لملأ الفراغ السياسي اليوم قبل الغد و ذلك من خلال المضي قدما في وضع اتفاق المجلس العسكري و قوى الحرية و التغيير موضع التنفيذ و شروعهما معا في العمل كجسم واحد متناغم و منسجم يعمل باخلاص و وطنية من اجل مصلحة البلاد العليا، بعيدا عن المناورات و الكيد السياسي، مستلهمين روح الثورة و عاقدين العزم على الوفاء بكل مطلوبات الفترة الانتقالية تمهيدا للاعداد للتحول الديموقراطي المنشود.
ثمة حاجة ماسة لأن تكون الحكومة الانتقالية، بجانب تناغمها و استهدافها لمصلحة الوطن، مدركة لكل مهامها، ماضية بكل همة في انفاذها، مراعية للجانب الامني و الدفاعي و حارسة للوطن من المتربصين به.
مجمل القول ان كثرة الاحزاب التي كونتها الانقاذ علی النحو انف الذكر و ما افرزته و تفرزه من واقع، مضافا اليها الراهن السياسي المعقد و المهددات الداخلية و الخارجية تمثل ردة سياسية تلقي بظلال سالبة على عملية تطوير نظام الحكم الديموقراطي و الشروع في الإنطلاقة المنشودة.
mohammedhamid968@gmail.com