الأزمة السودانية والمآلات المرتقبة .. بقلم: محمد حمد مفرّح
21 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
105 زيارة
ليس ثمة من شك في أن الأزمة الوطنية السودانية قد استحكمت حلقاتها، خلال هذه الأيام، علی نحو تراجيدي يعكس إنسداد أفق الحل و يؤسس لمرحلة جديدة عصية علی التكهن. فتجلياتها السالبة ظلت تتمظهر، منذ فترة طويلة، في شتی الجوانب و علی العديد من الصعد و بالأخص الصعيد الاقتصادي و الذي طفت تداعياته الآنية علی سطح الأحداث بصورة سافرة و أكثر مأساوية من غيره. فالإقتصاد بات، منذ مدة ليست بالقصيرة، يشهد تدهورا مريعا و متسارعا قلب الحياة المعيشية في البلاد رأسا علی عقب و أورد المواطن موارد المعاناة الحقيقية التي أصبح جراءها يصارع من أجل البقاء في ظل ظروف استثنائية غير مسبوقة. و قد بلغت المعاناة منتهاها من خلال التدهور الكبير للعملة المحلية مقابل العملات الصعبة، ما ألقی بظلال غاية في السلبية علی الحياة المعيشية و حولها إلی جحيم لا يطاق. فأسعار السلع قد شهدت ارتفاعا جنونيا أورث المواطن الخبال و جعله يجأر بالشكوی بصوت مسموع و نبرة حزينة غير معهودة. و تبعا لذلك فقد كان سعر الخبز مثيرا للجدل بصورة أقامت الدنيا بالبلاد و لم تقعدها، ما دفع القوی السياسية لتسيير المسيرات المناهضة لهذا الوضع الذي ضرب حياة المواطن المعيشية في مقتل.
و علی أية حال إذا أراد المرء أن يقوم بتشريح القضية الوطنية و التي تعد المعضلة الاقتصادية جزئية من جزيئاتها أو حلقة من حلقاتها التراجيدية، إذا أراد أن يفعل ذلك حتی يتسنى له سبر أغوارها، يجد أنه في حاجة لإعداد سفر متكامل. لذا فان تناولي لها من خلال هذا المقال يمثل تناولاً عاما يقتصر هدفه علی إلقاء أضواء كاشفة علی هذه القضية الحيوية التي تمس كيان الوطن و تهدد بقاءه.
و لا شك أن هذه الأزمة المركبة تعد، في التحليل النهائي، نتاجا طبيعيا للخلل السياسي الكبير الذي غدا عنوان الحقبة الإنقاذية الممتدة و ظل يلون أداءها السياسي حتى أضحی ملازما لمسيرتها بصورة لا فكاك منها. غني عن القول أن هذا الخلل يتمثل في عطب المنهج السياسي للإنقاذ و انحراف فلسفة حكمها عن المسار المفضي للاستقرار السياسي. و يتبدی هذا بصورة جلية في إصرار الإنقاذ الأعمى علی إدارة شؤون البلاد بشكل أحادي إقصائي يعتمد الانفراد بالسلطة منهجا و البطش وسيلة لقهر الآخر و التمكين غاية و ذلك بصورة تعوزها الحنكة و الحصافة السياسية التي لا تراعي (فن الممكن) و لا تحتاط للظروف و لا تترك هامشا للتقلبات السياسية العصية علی التنبوءات. و قد كانت محصلة هذه السياسة العرجاء ترنح البلاد بالقدر الذي جعلها تقف علی حافة الانهيار، حسبما يؤكد ذلك الراهن الماثل.
و فيما يتعلق بالمحور الاقتصادي الذي يتصدر اهتمامات الناس كونه يرتبط ارتباطا عضويا بحياتهم فان الإنقاذ قد دأبت علی توجيهه إلی كل ما من شأنه الحفاظ علی سلطتها من المهددات و تثبيت أركان حكمها و ذلك خصما علی مسؤوليتها الوطنية تجاه المواطن المسؤولة، شرعا و قانونا و أخلاقا، عن تأمين معاشه و أمنه. و تبعا لذلك فقد تخلت الحكومة عن الصرف علی القطاعات الحيوية التي تمثل شرايين الاقتصاد كالإنتاج الزراعي و الصناعي فضلا عن قطاعي الصحة و التعليم. لذا فقد كانت نسبة ما خصص لهذه القطاعات الحيوية في غاية الضآلة مقارنة بالقطاعات الأخری. و ليس أدل علی ذلك من بنود ميزانية 2018 الكارثية المثيرة للجدل و التي كرست هذا الخلل بصورة سافرة.
و مما تجدر الإشارة إليه أن النظام قد أدار ظهره تماماً لما تضمنته وثيقة الحوار الوطني الذي أقام الدنيا و لم يقعدها، و هو يبشر بنتائجه، و التي، أي تلك الوثيقة، أوصت بضرورة الاهتمام بأمر الاقتصاد حتى تتم إعادة تأهيله، كما سفه كل نصائح و مقترحات الاقتصاديين التي ذهبت في رؤاها إلی ضرورة الاهتمام بهذه القطاعات الهامة إذا أريد للاقتصاد أن ينهض من كبوته الراهنة.
و يبدو جلياً أن النظام يری أن الإصلاح الاقتصادي المبني علی تقويم إعوجاج هذه المعادلة المختلة سيقود إلی نهاية حكمه ما جعله يستميت في التخندق في هذا الوضع الشائه و لو كان ذلك علی جماجم المواطنين.
و مما ضاعف من هذا الوضع الاقتصادي المأزوم بل و الذي تجاوز حد الأزمة استشراء الفساد بصورة غير معهودة أدت إلی زيادة الأغنياء غنی و زيادة الفقراء فقراً الأمر الذي خلق طبقة متخمة مكونة من المنتسبين للنظام و المستفيدين من سياسته الاقتصادية المدمرة، و أخری معدمة تضم عامة الشعب. و قد إزدادت الفجوة الاجتماعية بين هاتين الطبقتين بشكل ملحوظ ينذر بصدام وشيك غذاه و يغذيه الغبن و القهر المزلزلان.
و مجمل القول أن الوضع الاقتصادي تجاوز كل حدود المعقول و ذلك لدرجة يصعب معها التكهن بصيرورته. و بذا فهو مرشح لقصم ظهر النظام الحاكم ما لم تحدث معجزة لكبح جماح إنفلاته.
و تأسيساً علی ما سبق فإننا إذا وضعنا الأزمة الوطنية الراهنة تحت مجهر التحليل السياسي أو أعملنا فيها مبضع التشريح بغية ادراك مآلاتها نجد أن سيناريوهات هذه المآلات تتمثل في الآتي:
1. عودة النظام إلی رشده لتدارك ما يمكن تداركه من خلال القيام بإجراءات غير تقليدية أو جراحة عميقة عبر علاجه لكل مسببات هذه المعضلة الاقتصادية، لا سيما و أن مفاتيح الحل كما هو معلوم.
2. اصرار النظام علی الاستمرار في سياسته القديمة الجديدة المشار إليها آنفا وإستمراء قهره للناس، ما يؤدي إلى مواصلة القوی الوطنية المعارضة للمسيرات السلمية المناهضة لسياسات النظام و التفاف المواطنين حول هذه القوی مما يقود إلی سقوط النظام.
3. توالی تدهور الوضع و فتح الباب ( لا سمح الله) علی مصراعيه للتدخل الدولي مما يقود إلی وضع البلاد تحت الوصاية الدولية أو استخدامها كأداة من أدوات صراع القوی الكبری بهدف تحقيق المصالح الدولية.
الجدير بالذكر أن حيثيات الواقع السوداني تؤكد أن الوضع مرشح لمآلات مأساوية يصعب التكهن بها.
و أعتقد جازما أن استمرار النظام في الاعتماد علی القوة و البطش و التنكيل بمعارضيه و مواطنيه سيقوده لحتفه، و ذلك بناءا علی تجارب سياسية مماثلة شهدها العصر الحديث و تأسيسا علی قاعدة أن الشيء إذا فات حده إنقلب إلى ضده.
mohammed.hamad55@hotmail.com