الأساطير المؤسسة للأزمة السودانية: فترة الاستعمار الذهبية والتكوين الخَارق للرعيل الأول .. بقلم: الغفاري فضل الله السيد
وأحد ثوابت خطاب الأزمة اليوم هو المقارنة المستمرة بين ماضٍ ذهبي خلفناه وراء ظهورنا فنحن نوغل ابتعاداً عنه كلّما تقدمت بنا السنون، ويحلوا للمُتدينين منّا، على نحوٍ خاص، أن يرددوا قول وقول منسوب لرسولنا الكريم (ص)، وينسبه أخرون الى الحسن البَصري، وهو قوله: “كُلُّ عَامٍ تُرْذَلُونَ”، وحديثه (ص) الآخر:” لَا يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ “، وغير ذلك من مرويات الأحاديث والآثار. ولهذا فهم يصوغون الأزمة برُمتها في لغةٍ غيبية تؤكد حتميةً دينيةً تنتهي كثيراً بهم الى قول المُتصوفةِ والشيعة من بيننا في السودان بأن لا سبيل الى وقف هذا التدهور المستمر في بلدنا إلا بأن يقوم إمامٌ ناطقٌ في الكتيبةِ الخَرساء: أيْ انتظارُ خروج المهدي كمشروعٍ سياسي حقيقي لأناسٍ يمشون الآن بيننا مُطمئنين. أما غير المتدينين منّا فإنّهم يوافقون على الأُطروحة في مُجملها، ولكنّهم يقدمون حيثيات “علمانيةً” لإثباتها، مثل التباهي بمبلغ انفتاح السودانيين على العالم والثقافة الغربية التي ميّزت الحياة في الخرطوم خاصةً منذ الخمسينات الى صعود تيار الإسلام السياسي في السبعينات، ذلك الصعود الذي أفسد كلّ شئ، بحسب وجهة نظرهم.
فصَل الاستعمار منذ البداية جنوب السودان السابق عن بقية القطر، ثمّ قنّنَ ذلك الفصل بما عرف بقانون المناطق المقفولة (1922) والسياسة الجنوبية (1930) وسياسة النوبا (1931) في جنوب كردفان. عزلت هذه القوانين والأوامر الإدارية كلّ مناطق جنوب السودان السابق وكلّ جبال النوبا وكلّ دارفور وكلّ النيل الأزرق وأجزاء واسعة من شرق السودان الحالي، وعملت السلطاتُ حينها على منع الانتقال في حيزٍ جغرافي واحد منذ آلاف السنين ومنعت التواصل بين السودانيين وبثَّت الفرقة وعدم الثقة بينهم، ومنعت انتشار العربية والإسلام – عموديّ الهُوية الرئيسيين في الأجزاء التي بقيت مفتوحةً من السودان – وخوَّفت منهما في المناطق التي لم يصلاها باعتبارهما شرٌ خالص، ولم تُـلغَ هذه القوانين إلا في العام 1946 بعد مؤتمر جوبا، وبعد أن حققتْ أغراضها. ولكن ما هو أخطر من ذلك، كان الطريقة التي عامَلت بها السلطات الاستعمارية الشعوب المقفولة في هذه المناطق، فبسبب من عدم رغبتها في إلحاق بعضهم بركب الاسلام والعربية، احتارت وتقـلَّبَتْ لذلك على نحوٍ دائم في نوع وسياسات التعليم الذي ينبغي أن يحظَوا به في سبيل تطورهم مستقبلاً، وظلّ الضباط البريطانيون محتفظين بهم في مَعزَل بشريٍ كبير، أو على الرَّف، بحسب تعبير أحدهم، عقوداً كان فيها شمال السودان وأجزاؤه غير المقفولة تحقق تعليماً ورفاهيةً وانفتاحاً حسَناً على العالم، وبالتالي تعمّقت الفروقات أكثر بين مناطق الوطن الواحد. والآن كلُّ المناطق التي تشهد اضطراباتٍ سياسية وتمرد على سُلطة الدولة المركزية هي بالضبط تلك المناطق التي عزلها الاستعمار منذ الربع الأول من القرن العشرين، قبل أن تكون هناك دولةٌ مركزية ترعي الأسلمةَ والاستعراب: كجزءٍ مهمٍ من الأسباب المُعلنة لعدم الرضى في هذه المناطق.
ghefariline@gmail.com
لا توجد تعليقات
