سلام
بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
أما بعد…
و إنه لأمر محزن و مخزي و صادم ما جآء في الأخبار أن أستاذ جامعي قد أقبل على ما أقبل عليه من فعل مشين و قبيح و فاضح عرض فيه عضوه الذكوري لطالبته في وسيط إجتماعي و في ذات الوقت طلب من الطالبة أن تصور و ترسل له صور فاضحة…
أولاً:
و إنه لأمر محزن و مخزي كثيراً أن تستخدام الوسآئط الإجتماعية و تستغل في الإرهاب و الإبتزاز و الإستعباد الجنسي للفتيات…
و قد أثار هذا الخبر في النفس عدة أسئلة و أفرز أمور و أبرز مؤشرات متعددة…
أسئلة:
لماذا إختار الأستاذ تلك الطالبة من بين جميع الطالبات؟…
و هل كانت هنالك محادثات و مساجلات أخرى بين الأستاذ و الطالبة قبل حادثة إبراز العضو الذكوري و طلب الصور الفاضحة؟…
و هل فعل الأستاذ أفعال أخرى مماثلة مع طالبة أخرى أو مع عدة طالبات و فتيات أخريات؟…
و هل أنه فعل ذلك مراراً و تكراراً لكنه نجا من المسآءلة مما شجعه على المواصلة؟…
و هل هذا الحدث هو رأس جبل جليد ضخم عآئم في بحر كبير؟…
الإعتقاد التقليدي هو أن علاقة الأستاذ الجامعي ، أو غيره من المعلمين ، بطلابه تتركز في تحصيل العلم و في الإرشاد و التوجيه و التحفيز على إكتساب العلم و نقل المعرفة و الوعي و فنون و مهارات حياتية أخرى…
و الإفتراض المثالي هو أن الأستاذ/المعلم المهني المحترف يمثل قدوة يحتذى بها في السلوك القويم و التمسك بالقيم الإنسانية المتفق عليها مثل الصدق و الأمانة و النزاهة إلى جانب إبلاغ أهداف الرسالة التربوية/التعليمية…
أسئلة:
هل يجوز أخلاقياً أن تنتقل العلاقة ما بين الأستاذ و الطالب/الطالبة من قاعات الدراسة و ساحات دور العلم و مسارح و منابر الفكر و المعرفة و الثقافة إلى غرف النوم و ما يترتب على ذلك من علاقات جنسية داخل أو خارج إطار العلاقات التي تتقبلها المجتمعات؟…
و هل كان ذلك الأستاذ الجامعي و فعله هو المهني الوحيد الذي إستغل مهنته و مركزه و سلطته و نفوذه في تحقيق مكاسب جنسية أو غيرها؟…
في المجتمعات التي تحكمها القوانين و اللوآئح يفترض عند التقدم للوظآئف و عند الإختيار لها أن يجتاز المتقدم للوظيفة عدة إختبارات فيها المؤهل و الصفات الشخصية و كذلك القيم الأخلاقية المتفق عليها خصوصاً أولئك الذين تستدعي أعمالهم التعامل المباشر مع الجمهور و التحكم في شؤونهم و بعض أمورهم و التي تتطلب الأمانة و النزاهة و قيم أخرى…
المجتمعات التي يقال أنها ”متمدنة“ ليست محصنة ضد دآء التعصب و العنصرية و إستغلال النفوذ لكنها تحاول معالجة تلك الممارسات الغير إيجابية عن طريق نشر الوعي و سن القوانين المنظمة و إصدار اللوآئح و المنشورات و توعية الجمهور ، كما أنها تنشيء المؤسسات التنفيذية التي تشرف و تدير و تقدم الخدمات وفق أسس معينة ، و تعين الأجهزة الرقابية التي تحافظ على المستوى و تراقب الأدآء و السلوك ، إلى جانب السلطات العدلية التي تعاقب على مخالفة القانون و يشمل ذلك السلوك العنصري و التحيز و إستغلال النفوذ ، كما أنها تقيم المعاهد التي تنشر العلم و تلك التي تساعد على إعادة تأهيل المنحرفين ، أما المجتمع المدني فيقوم بدوره بالمشاركة الطوعية في الرقابة و التوعية و تقديم المساعدات للمتضررين…
ذكر الخبر أن الذي إكتشف و تولى أمر الموضوع هو إستخبارات (شباب حمر) مما يعني أن الأمن في الجامعة الإقليمية المعنية تقوم بها جماعات قبلية و ربما مليشيات جهوية مما يثير التسآؤل عن دور أجهزة الجامعة و الأجهزة الأمنية الرسمية…
و يبدوا أن الأجهزة الأمنية الرسمية غآئبة أو مغيبة أو مقيدة أو عاجزة عن القيام بدورها المنوط بها أو ربما أنها راضية عن الوضع القآئم…
و الظاهر هو أن الوضع القآئم قد دفع الطالبة المعتدى عليها إلى اللجوء إلى القبيلة (إتحاد شباب حمر) لتجد عندها الأمن و الأمان و الحماية عوضاً عن الأجهزة الرسمية للجامعة و الدولة…
و يبدوا أن المنظمات القبلية و الجهوية أصبحت هي التي تقوم بدور الأجهزة التنفيذية و منظمات المجتمع المدني في مجالات مثل الرقابة المجتمعية و الدفاع عن حقوق الأفراد و الحماية و تقديم الخدمات و ربما إنفاذ القوانين (عرفها و قوانينها الخآصة بها)…
و مما يثير (المخاوف الوطنية) هو أن الخبر قد ذكر أن ”الإتحاد الحمري“ هو الجهة التي أمرت بإبعاد الأستاذ الجامعي من جميع ”أرض حمر“…
و لم يتطرق الخبر إلى هل تم تقديم الأستاذ إلى المحاسبة المؤسسية (الجامعية)؟…
كما لم يشر الخبر إلى أي مسآءلة قد جرت نحو الأستاذ من قبل الأجهزة الأمنية بغرض تقديمه إلى الجهات العدلية الرسمية من أجل المحاسبة و المحاكمة…
و قد ذكر الخبر أن المسئول من جماعة العدل و المساواة بمدينة النهود قد حث إدارة الجامعة بالعمل على التركيز في كيفية إختيار الأستاذ الجامعي و البعد عن عملية الإقصآء لأبنآء قبيلة معينة حتى لا يقود الجامعة إلى هلاك و مشاكل قد تؤدي إلى قفل الجامعة…
و هذه محمدة تحسب لذلك المسئول و ربما بعد نظر ، لكن إستقرآء ما ورآء هذا التصريح قد يعني أن التعيين في الوظآئف الجامعية كان يتم عن طريق القبلية و الجهوية ، أو قد يعني أن الأستاذ ربما كان ليس من قبيلة ”حمر“ بل من قبيلة أخرى مما أثار المخاوف المستقبلية عند مسئول جماعة العدل و المساواة…
كان الظن إن الجامعات و المعاهد و المدارس هي منابر لنشر العلم و المعرفة التي تقود إلى الوعي و التنمية و تعلية شأن القيم الأخلاقية النبيلة مما يؤدي إلى ترقية السلوك الإنساني ، و أنها ليست لتكريس الجهوية و القبلية و الإقصآء…
و إن كان الأمر كما جآء في الخبر فإن هذا يعني أن نفوذ القبلية و الجهوية و التعصب ربما قد تغلغل و لحق بالمتعلمين و المتنفذين في مجال التعليم العالي في بلاد السودان ، و في أولئك الذين يفترض أنهم قد نالوا حظاً وفيراً من العلم و المعرفة و الوعي بالقدر الذي يوسع مداركهم و يسمو بهم درجات في الفهم و عالم المدنية و يقودهم إلى سلوك إنساني متحضر أساسه العلم و العدل…
و يبدوا أن التعصب للقبيلة و الجهة في بلاد السودان و ربما بلاد أخرى في المنطقة أقوى من العلم و المعرفة و الوعي و العدل و الإنتمآء للوطن الكبير و الإنسانية…
و يبدوا أن المجهودات التي بذلت في مجال التربية و التعليم و الوعي في بلاد السودان منذ الإستقلال و حتى الوقت الحاضر لم ترسخ و لم تؤتي أكلها ، أو ربما أنها لم تقم على أسس سليمة ، أو أنها قد تم توصيلها بطرق خآطئة ، أو ربما قد تم إستيعابها بطريقة مغلوطة…
و هنا يتسآءل المرء عن دور الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان) و غيرهم من الأحزاب الطآئفية في تغييب الوعي و في إزكآء النعرات الجهوية و القبلية لخدمة المصالح و النفوذ و بغرض إطالة العمر في السلطة و سدة الحكم…
و يبدوا أن ”العلم و المعرفة“ في بلاد السودان و ربما بلاد أخرى قد تم إستغلالهما لتركيز و تقوية القبيلة و الجهة و التمكين و إقصآء الآخرين و في تغييب الوعي ، و أنها قد أصبحت أدوات تستخدم في إتجاه تكريس الذات و القبلية و الجهوية و ذلك على حساب الوطن الكبير و الإنسانية عموماً و ليس أداة لإحداث و تفعيل الرقي و تطوير مجمل العلاقات الإنسانية…
أسئلة:
هل ترى الشعوب السودانية أن أفضل طريقة للإدارة هي عن طريق القبيلة و الجهة؟…
و أن الإدارة القبلية/الجهوية هي الطريق الأمثل الذي يقود البلاد إلى المستقبل و النمآء؟…
إذا كان الأمر كذلك هل بالإمكان تطوير هذا النظام القبلي/الجهوي بحيث يوظف لخدمة الوطن الكبير و الإنسانية عموماً؟…
و إذا كان الأمر كذلك فلربما أدت هذه المفاهيم و الإستراتيجيات الإدارية التقليدية في مجالات: الحكم و تقديم الخدمات و إنفاذ العرف و القانون و الحماية و بسط الأمن و حقل التعليم و المعرفة في نهاية الأمر و على المدى المتوسط و البعيد إلى:
– التكريس و الإنقسامات القبلية و الجهوية و الممارسات العنصرية و الإحتراب و المزيد من التعقيدات…
أو
– التنمية و سيادة القانون و العدالة و العلم النافع و المعرفة المفيدة و إزدياد الوعي مما يقود المجتمعات إلى الإستقرار و القضآء على التعصب للقبيلة و الجهة و الإقصآء و إلى السمو و الرقي بالسلوك الإنساني إلى درجات و مراقي أعلى من مراتب المدنية و الوعي ، و يفضي بها إلى تبني المعايير الحضارية السمحة التي تتقبل الآخر و تؤمن بالإختلاف و التنوع و سيادة القانون…
و الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
فيصل بسمة
fbasama@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم