الأشجار الظليلة: قصة .. بقلم: عباس علي عبود
7 يناير, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
125 زيارة
يحمل معاوله وينحدر إلى النهر. يحفر الأرض ويغرس الأشجار الظليلة. بينما الناس من حوله مشدوهين في دوامة الحياة. دوَّختهم سلطة الأكذوبة، التي تناسلت أنيابها الشرسة، تنهش جسد الوطن، والمواطنين، الهائمين على أرصفة المسغبة. فالخبز مسمومٌ، والصدق والوفاء، كالغول والعنقاء، وليس ثمَّة دواء. فهل رأيتهم، بالمئات والألوف هاربين من مفازة الدماء؟
يغرس الأشجار الظليلة في صبرٍ وجلد. يجلب الماء من النهر ليرويها، ويقطع أغصان الأشجار الشوكية ليحميها من المعيز. سأله بعضهم: ((لِمَ تزرع الأشجار الظليلة؟ هل تودُّ بيع أغصانها عندما تكبر؟)).. وسأله أحدهم حينما كان يغرس شجرة جميز على الشاطئ، شمال البلدة: ((هل هذه أرضك؟)).. وحين أجاب بالنفي، طأطأ السائل رأسه حيرةً ومضى..
عند الأصيل حمل معاوله وانحدر إلى النهر. شمال البلدة أبصر شجرةً صغيرةً تطلُّ برأسها من بين براثن اللاوليز. توقف برهة لكنَّه سرعان ما قرر أن يخلص الساق الطرية من جبروت الشباك. بمنشار صغير قطع مجموعة من الأغصان الملتفَّة حول الساق الطرية، فهاله ما رأى.. كان ساق الشجرة الطري قد انحنى كنهر النيل شمال السودان..
((لمن هذه الشجرة؟)).. باغته السؤال فسقط المنشار من يده. وبعد صمتٍ قصير، أجاب في نبرةٍ هادئة: ((إنَّها شجرة الله)).. السائل اليافع حملق في وجهه لبرهةٍ، ثم استدار عائداً إلى شاطئ النهر..
التقط المنشار وقال في نفسه: ((نعم إنَّها شجرة الله. نبتت تحت شجرة لعوت. لم يزرعها أحد، ولم يسقها.. ظلت تجالد العطش، وتنمو إلى أعلى. لكنَّ شباك اللاوليز الرهيبة كانت لها بالمرصاد)).. كان ساق شجرة الظِّل طريَّاً حين التفَّ حوله النبات المتسلق، فقاوم ثم قاوم.. لكنَّه انحنى تحت وطأة الشباك العنيدة. انحنى الساق الطري كالقوس، وأصبح ضعيفاً لكنَّه واصل المقاومة حتى استطاع ورغم ضعفه، أن ينفلت من بين براثن الشبكة الرهيبة، ويشرئب بأوراقه ليعانق الشمس والهواء..
إنَّه اللاوليز، تمدَّد فوق أغصان شجرة اللعوت، ثم التفَّ بأغصانه الرخوة ونسج الشباك حول ساق شجرة الظِّل اليافعة. هذا النبات المتسلق، يبدو هيناً في البداية، لكنَّه يعمل بدأب ليتسلق الأشجار، ويلتفُّ حول أغصانها، ثم ينسج شباكه ليغطيها تماماً بأوراقه الدقيقة، ويؤدي إلى يباسها..
كانت ساق شجرة الظّل اليافعة قد استطالت فوق أغصان شجرة اللعوت الشوكية. قلَّب معاوله وقال في نفسه: ((كيف أخلِّص هذه الشجرة من اللاوليز اللعين؟ لأنَّه سينسج شباكه مرةً أخرى حول الساق الطري الذي انفلت، ويضطره إلى الانحناء مرةً أخرى، وربَّما قهره تماماً)).. قطع كمية من أغصان اللاوليز المتشابكة، لكنَّه كان يدرك قبل أن يقطعها بأنَّها ستنمو مرةً أخرى أكثر كثافةً وتشابكا! إذن ما العمل؟ هل يترك الشجرة الطرية لمصيرها المحتوم؟ بعد حيرةٍ قصيرةٍ قال في نفسه: ((لا بدَّ من اجتثاث هذا النبات الملعون من جذوره، وأيِّ محاولة غير هذه ستزيد من جبروته)).. حام حول شجرة اللعوت التي تغطت بكاملها بالأوراق الدقيقة، الداكنة الخضرة، بعدما تمكَّنت منها شبكة اللاوليز، وانتشرت فوقها كمظلةٍ أسطورية.. تابع معاينة الشبكة العجيبة فأبصر غصناً لاوليزياً سميكاً، وثانياً وثالثاً ورابعاً.. يا للهول، هكذا تحول هذا النبات الطفيلي إلى مارد!
حام حول شجرة اللعوت المقهورة، ثم توقف شمالها فناوشته الدهشة. كان أصل اللاوليز ظاهراً للعيان، وقد امتدت منه أربعة أغصان في سُمك القنا، وتسلقت اللعوته.. وقال في نفسه: ((هنا يكمن البلاء)).. حاول اقتلاعه لكنَّه فشل. حاول مرةً ثانية، وثالثة.. استراح لدقائق ثم استعان بالمعول. حفر حول الأصل حتى ظهر جذر سميك. بالمنشار قطع الجذر فتنهد..
بعد ثلاثة أيام عاد إلى الشجرة الصغيرة. فوجد أن شبكة اللاوليز قد يبست، ويمكن تكسيرها بعصا صغيرة. وتذكر قول أحدهم : ((إنَّ هذا النبات عندما يقطع من جذوره ويجف تذروه الرياح)).. وقال في نفسه: ((ما العمل؟ فساق الشجرة انحنى كنهر النيل)).. حاول تقويم الساق الطري لكنَّه فشل.. ما العمل؟ هل يبتر الجزء المنحني الضعيف، لينمو الساق السليم ويصبح شجرةً ظليلةً يداعبها نسيم النهر..
أمسك المنشار وقطع الجزء المنحني الضعيف.. استكان لبرهةٍ ثم اجتاحه حزنٌ عظيم.. تمهَّل على الضفاف ولسان حاله يقول: إنَّها شجرة الله..
الخرطوم
23 أبريل 2011
abbaskawa@gmail.com