الأصداء العالمية للثورة المهدية: تأليف: محمد المصطفى موسى .. تقديم: أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
تقودنا هذه التوطئة إلى أنَّ الكتاب الذي بين أيدينا يلقي إضاءات كاشفة على الأصداء العالميَّة للثورة والدولة المهديَّة في إجزاء متفرقة من بريطانيا ومستعمراتها ومناطق نفوذها السياسي. وأنَّ مؤلفه الطبيب الدكتور محمد المصطفى موسى قد أفلح في جمع شتات الأصداء وردود الأفعال التي حدثت في إيرلندة، وشبة القارة الهنديَّة، وجنوب شرقي آسيا، وبعض حواضر العالم الإسلامي، معتمداً في ذلك على الأرشيف البريطاني، ومنشورات المهديَّة، والمراجع الثانويَّة ذات الصلة بالموضوع. ولا شك في أنَّ هذه المدوَّنة المصدريَّة الجامعة بين المصادر الأوليَّة والثانويَّة قد مكَّنت المؤلف من الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات المحوريَّة التي وردت في متن كتابه المهم. لماذا استجاب العالم لأحداث الثورة المهديَّة في السُّودان؟ وكيف كان صدى تلك الأحداث في أوساط الرأي العام البريطاني وشعوب المستعمرات؟ وما المنطلقات الفكريَّة والسياسيَّة التي شكلت استجابات بعض الوسائط الصحافيَّة العالميَّة لانتصارات الثورة المهديَّة في السُّودان؟ وهل أثَّرت تلك الأصداء المتعاطفة مع الثورة المهديَّة في موقف حكومة غلادستون الذي كان يرى في انتصارات المهديَّة جرحاً بليغاً لكبرياء الإمبراطوريَّة البريطانية. تجسِّد الإجابات عن هذه الأسئلة مُسوغات اهتمام الرأي العام في بريطانيا ومستعمراتها بالثورة المهديَّة وانتصاراتها ضد الحملات العسكريَّة-البريطانيَّة-المصريَّة. وتشكل هذه المسوغات المحور الأول لتقديم هذه الدراسة، والذي تتفرع منه النقاط الآتية.
إنَّ “انتفاض الهند على الإنجليز في هذه الأيام أقرب؛ فإن خواطر المسلمين من سكانه في هياج شديد بما شاع بينهم من دعوة محمد احمد [المهدي] السُّوداني، بل بما يُمكِّن في أهوائهم من الميل إلى تصديقه، وإن لهذه الدعوة حملةٌ على الهند لا يُقاومها تدابير دولة بريطانيا. تريد دولة إنجلترا أن تصد المسلمين عن حج بيت الله الحرام في هذا العام، وربما فيما بعده؛ حتى لا تصل أخبار محمد أحمد، وتورط الإنجليز في مقاومته إلى مسامع الهنديين، ولكن سيحمل هذه الأخبار الحجاج الأفغانيين والبلوجيين الذين يسلكون إلى الحج طريق البصرة والكويت، بل يبلغونها على وجه أبلغ مما لو سمعوها بآذانهم.”
وقد عضَّد المؤلف هذا الموقف بشواهد كثيرة من الصحف الإيرلنديَّة، وأدبيات شعراء الإمبراطوريَّة ذات الميول الاشتراكيَّة، المناهضة للعهد الفيكتوري. لكن هذه الشواهد يجب ألا تعطينا انطباعاً بأن كل الرأي العام الإيرلندي كان مؤيداً لانتصارات الثورة المهدية؛ لأن المناصرة اللحظيَّة قد وُلدت من رحم المنطلقات السياسية والفكرية لقطاعات المجتمع المختلفة، فأكثر القطاعات استجابة كان قطاع القوميين الإيرلنديين، الذين نظروا إلى “المهدي الأفريقي” باعتباره قائد حركة تحرير وطنية، تتقاطع أهدافها مع تطلعاتهم السياسيَّة لتحقيق حكمٍ ذاتيٍ في إيرلندة.
(قريباً بالمكتبات: الناشر، دار المصورات، الخرطوم)
لا توجد تعليقات
