كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
في سنوات العمر الأولى، نلتقي بأصدقاء نظن أن الطريق سيبقى واحدا إلى الأبد. نتشارك الأحلام والهموم الصغيرة، ونقتسم الوقت بلا حساب، ونمنح العلاقات شيئا من الدفء و الأريحية الإنسانية التي لا تعرف المقابل المادي ولا تسأل عن العائد. كان يكفي أن يكون الشخص صديقا حتى يصبح وجوده قيمة في ذاته. ولذلك تحتفظ الذاكرة بتلك السنوات في صورة تكاد تكون رومانسية. لأن القلوب كانت أخف، والأعباء أقل، والمسؤوليات لم تكن قد أحكمت قبضتها بعد على تفاصيل الحياة. هناك في ذلك الزمن البعيد تبدو الصداقات أكثر نقاءً، لأن الحياة كانت أكثر بساطة.
لكن الإنسان لا يبقى في المكان نفسه. فالطالب يصبح أستاذا، والشاب يصبح رب أسرة، والموظف يصبح مديرا أو صاحب عمل، وتتغير الأدوار كما تتغير الاهتمامات والأولويات. ومع كل انتقال تنشأ حوله دوائر جديدة من العلاقات.
هنا تكتسب فكرة رأس المال الاجتماعي معناها الأعمق. فقد بيّن عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن الإنسان يتحرك داخل شبكات من العلاقات تمثل موردا اجتماعيا لا يقل أهمية عن المال أو المعرفة. فرأس المال الاجتماعي هو شبكة من العلاقات التي تساعد الإنسان على أداء أدواره الجديدة في الحياة.
فالأستاذ الجامعي يحتاج إلى دوائر تختلف عن دوائر الطالب، والطبيب يحتاج إلى شبكات تختلف عن شبكات المزارع، ورب الأسرة يحتاج إلى علاقات تختلف عن علاقات الشاب الذي ما زال في مقتبل العمر. ومن ثم فإن الإنسان يستثمر باستمرار في دوائر جديدة تتناسب مع مستوى نضجه ومسؤولياته وأدواره الاجتماعية المتجددة.
ومن هذه الزاوية يصبح تغير العلاقات جزءً طبيعيا من حركة الحياة، لا علامة على فساد الناس أو تراجع الوفاء.
وعند ابن خلدون يمكن فهم الأمر من منظور آخر. فكلمة “العصبية” التي كثيرا ما تُفهم باعتبارها مرادفا للتعصب والانغلاق، بينما كانت عنده تشير إلى رابطة التضامن التي تجمع الناس في ظرف اجتماعي معين. إنها القوة التي تجعل مجموعة من البشر تشعر بأنها تنتمي إلى دائرة واحدة من الثقة والمصير المشترك.
لكن العصبيات ليست أبدية. فهي تتكون وتزدهر ثم لا تلبث أن تتفكك لتنشأ عصبيات جديدة. ولعل الإنسان الواحد يعيش خلال حياته عدة عصبيات متعاقبة… عصبية الأسرة، وعصبية الدراسة، وعصبية المهنة، وعصبية الزمالة، وعصبية المشروع الفكري أو الاجتماعي الذي ينخرط فيه.
ولذلك فإن انتقال الإنسان من دائرة إلى أخرى لا يعني بالضرورة أنه تنكر للماضي أو خان رفاق الأمس، وإنما يعني أن شروط حياته قد تبدلت، وأن دوائر التضامن التي تحيط به قد أعادت تشكيل نفسها استجابة لتلك التحولات.
وإذا أردنا أن نتأمل هذه المفارقة في مرآة الأغنية السودانية تحديداً، وجدنا أنها تمثّل نموذجاً فريداً لهذا الالتباس. فالأغنية السودانية في معظمها لا تروي قصة فراق بقدر ما ترثي محاكمةً مضمرة. فالفنان الرومانسي زيدان إبراهيم، يجسد ذلك النواح الذي صاغ وجع الفراق في أبهى صوره، أمام باب الحبيب يسأل “قلبك ليه تبدل”، فهو بهذا السؤال لا يُصدر حكماً.. التغيّر خيانة، والبقاء على الحال هو الوفاء الوحيد. وكذلك يمكن إحصاء مئات الاغانيات التي تنوح على فراق الأحبة بغض النظر عن موقعهم في العلاقة الاجتماعية التي ربنا تفهم في سياق الهجر والسلوان وتبدل الأحوال أن كان معشوقا أو صديقا أو خلا وفي.
غير أن السؤال الذي لا يطرحه هذا النواح الرومانسي مهما بلغ جماله هو.. من كتب الفصل الأخير؟ فليس دائماً القلبُ هو من أغلق الباب. فثمة أبواب تغلقها الطبقة، وأخرى تغلقها العصبيات المتبدلة والمصائر المتفرقة، وأخرى يغلقها الزمن ببساطة دون أن يستشير أحداً. والمحب الذي ينوح على الأطلال دهراً قد لا يكون ينوح على قلب تبدّل، ولكن على واقع لم يمنح القلبين فرصة أن يكتبا نهايتهما بأنفسهما.
وهنا يكمن الجمال المُر في ذلك النواح الرومانسي.. أنه يمنح الإنسان لغةً للبكاء لكنه لا يمنحه لغةً للفهم. يجعل من كل فراق جريمة قلبية، ومن كل غائب متهماً، دون أن يسأل عن البنى الخفية التي تُحرّك الناس بعيداً عن بعضهم رغمهم.
وربما هنا تكمن إحدى المغالطات الوجدانية التي رسختها الأغاني والقصائد. ففي الوجدان السوداني، كما في كثير من الثقافات، تحضر صورة الصديق الذي نسي، والحبيب الذي تغير، والرفيق الذي جرفته الدنيا بعيدا. وهي صور تمتلك جمالا إنسانيا لا يمكن إنكاره، لكنها تفترض ضمنا أن الوفاء الحقيقي يقتضي أن يبقى الإنسان كما كان.
غير أن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو.. هل التغير خيانة حقا؟ هل يملك المحب أن يبقى كما كان عندما تُعيد الحياة رسم خرائطه من جديد، وتُجبره على عصبيات لم يخترها وأدوار لم يطلبها؟ وهل يُعقل أن نحاكم القلب وحده على جريمة اطرافها الزمن والظروف والمصائر المتفرقة؟ ربما لا.
وربما يكون من الظلم أن نطالب إنسانا في الستين أن يعيش بعلاقات واهتمامات العشرين، أو أن نطالبه بأن يحتفظ بالدوائر نفسها التي أحاطت به في مرحلة مختلفة تماما من حياته.
إن النوستالجيا جميلة حد الجمال عندما تكون احتفاءً بالذكرى، لكنها تصبح عبئا عندما تتحول إلى محكمة نحاكم بها الحاضر. فالماضي ليس أجمل لأنه أكثر كمالا، لقد نزعت الذاكرة عنه تفاصيل التعب والقلق والخسارات الصغيرة، وأبقت لنا وهجه الإنساني فقط.
ولهذا فإن النضج يكمن في التصالح مع الزمن. إذ لم يعد مطلوبا من كل صديق قديم أن يبقى صديقا يوميا، وليس مطلوبا من كل علاقة أن تستمر بالدرجة نفسها من القرب. بعض العلاقات تؤدي دورها كاملا ثم تتحول إلى ذكرى جميلة. وهذا هوو نجاح الحيقي للعلاقة التي ادت دورها في ظرفها. فقد منحتنا ما كان ينبغي أن تمنحنا إياه في مرحلة معينة من العمر، ثم مضت كل نفس تستقي من مشربها.
إن الوفاء للماضي لا يعني الإقامة فيه. والاعتزاز بالأصدقاء القدامى لا يقتضي أن نظل أسرى لصورهم القديمة. يكفي أن نعترف بفضل تلك الأيام، وأن نتذكرها بمحبة، دون أن نطالب الزمن بإعادتها أو الناس بالبقاء فيها.
ربما تكون الحكمة في نهاية المطاف هي أن نتعلم الامتنان دون مطالبة. أن نشكر الأشخاص الذين عبروا حياتنا وتركوا فيها أثرا جميلا، دون أن نطالبهم بأن يرافقونا إلى آخر الطريق. أن نفرح إذا التقيناهم، وألا نحزن إذا افترقت بنا السبل مرة أخرى.
فالعلاقات، مثل الأنهار، لا تحتفظ بالماء نفسه، لكنها تحتفظ بمجرى ترك أثره في الأرض. وكذلك الناس، قد تتغير دوائرهم، وتتبدل عصبياتهم، وتتوسع شبكاتهم الاجتماعية أو تضيق، لكن الذكريات الصادقة تبقى شاهدا على زمن جميل تم العيش فيه كما ينبغي له أن يُعاش.
وعندما نفهم ذلك، نكتشف أن بعض الأصدقاء لم نفقدهم حقا. لقد غادروا فقط موقعهم القديم في حياتنا، وبقوا جزءا جميلا من قصتها.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
