الأنا والآخر.. حالة أنكار .. بقلم: ناجي شريف بابكر
16 سبتمبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
32 زيارة
في إحدى ليالي الشتاء القاسية، في مكان نائي بعيد في قرية تسمي أوزويل في نواحي زيوريخ، قبل عدة أعوام.. حملتني الأقدار يوما إلي هناك.. دلفت إلي اللوكاندا الوحيدة في القرية وأنا أكدكد من شدة البرد.. قصدت موظفة الإستقبال لمراجعة حجزي، لكن أحدا كان هناك يتجاذب معها الحديث ويثرثر بصوت غير مسموع.. فجلست منتظرا حتي يحين دوري.. مرت اللحظات ثقالا والرجل لا يكاد يبرح مكانه.. كان إنتظارا طويلا بلا جدوى.
.
حينما غالبني الصبر داهمت الموظفة معتذرا لإقتحامي غير اللائق للمحادثة، وكم كنت متشوقا لرؤية ذاك الرجل الذي ظل يشغل ضابطة الإستقبال الفاتنة مديرا ظهره دون أكتراث للآخرين من العملاء .. وكانت دهشتي حينما تبين لي أن الرجل سوداني من بني جلدتنا.. وأن الحديث الذي أطال ساعات إنتظاري الثقيلة، لم يكن سوى محاولات ملحاحة لكسب ود الموظفة التايلاندية الجميلة.. أو إمالة قلبها لبعض الوقت، علي أقل تقدير. أحسست في دخيلتي أنني أستنكر ذلك السلوك الأخرق علي الرجل، ولم تخل نظراتي من عتاب تلقائي، فما بدا منه من إنفعال تجاه موظفة فاتنة، في هذا البلد النائي، يُعدُّ بلا شك إبتذالا سلوكيا غير مقبول، هناك من حيث أتى كلانا.. لكن “شانيدا” الحسناء ذات القوام الممشوق والضحكات الرنانة، كانت والحق يقال، تستحق أن تلاعبها وتجاذبها أطراف الحديث لألف عام، دون أن يداخلك أدنى شعور بالملل..
.
العبرة تبدو جليا في أن هنالك خلط ما يعترينا في تقييم إنفعالاتنا الإيجابية تجاه قيم كالجمال والموسيقي والفن من جانب، وبين الإبتذال والفحش والنهي عنهما، وعن أن يشيعا ما بين الناس من جانب آخر.. ليس من المنطقي للمشاعر والأحاسيس التي تشد الرجل تجاه جمال الأنثي العفوي وفتنتها الساحرة غير المبتذلة، وتلك التي تشده تجاه الفن والنحت والموسيقي والتعبير عن الأشجان، أن تتداخل بأي حال، مع تصوراتنا لتعريف الفاحشة، ولا مع السعي لإشاعتها بين الناس.. ولا أن تتداخل بالمجاهرة بالإثم.. إذ أن الحديث النبوي يقول “كل أمتي معافي إلا المجاهرون”.. لكن من هم المجاهرون، الذين أمسك الحديث عنهم، والمجاهرون بماذا؟.
.
المجاهرة المعنية علي ما أعتقد هي المجاهرة بالآثام والرزائل، وليس التعبير عما لا نملك له لجماً، من تيارات المشاعر والأحاسيس والإنفعالات الفطرية التلقائية، التي تأخذنا بلا إرادة كالرياح وكموج البحر، تجاه الألوان، والوله بالحسن وجمال الأنثي، سحر الطبيعة وفتنتها، عبير الزهور والفراشات الملونة، وعطايا الطبيعة الخلابة الأخري.. هناك خلط كبير، بلا شك.. هذا الخلط يجعلنا نتحول إلي حراس للنوايا، نمارس قمعا ذاتيا متعمدا لتلك الميول والأحاسيس، يمنعنا من التعبير عنها أو المجاهرة بها. حينما يصطدم ذلك القمع مع قوي الفطرة والغرائز الطبيعية الجامحة .. تنتصر الفطرة لا محالة ولو بعد حين. لذلك نلجأ، كحل ظاهري ومؤقت، للتخفي والإنكار، ولكبت التعبير الجهري بتلك الميول والأحاسيس، فنقصرها على الخاصة، ونتحاشي البوح بها أو تداولها أمام الآخرين، بل نلجأ لتقريعهم ولإستنكارها بعنف إذا ما ألفيناهم متورطون فيها. ومن هنا تتولد المفارقة وإزدواجية الشخصية وإضطرابها. حينما يعاني أحدنا من ذلك التمزق وعدم الإنسجام، فهو ليس بالضرورة منافق أو مدّعي يتعمد هذا الإنكار ويختاره طوعا، إنما هو ضحية بائسة لا تملك من أقدارها شيئا..
.
منظومة الأعراف والقيم الإجتماعية التي تشيد لنا الفواصل الرفيعة ما بين الذوق والفضيلة من ناحية، وما بين الرزيلة والإنحراف من ناحية أخرى، والتي يجدر بنا أن نمشي عليها مشية الموت، كحبل البهلوان المتأرجح ما بين السماء والأرض، هي في ذاتها منظومة مضطربة ومتناقضة أحيانا.. إذ أنها في بعض الحالات تحكم علي النوايا حكمين متناقضين تماما، إستنادا علي سلوك واحد متطابق. فإذا حدث مثلا أن قلت لطفلة صغيرة جميلة، أنها فتاة حلوة ورائعة الجمال، فأنت تلاطفها، وقد تبدو عباراتك أمام الآخرين دلالة على اللياقة والتهذيب، أما إذا ماقلت العبارات نفسها في حق فتاة ناضحة سحرك حسنها، فأنت أمام الآخرين آثم تراودها عن نفسها !. فلماذا هذه المفارقة في محاكمة النوايا، بينما تبقي العبارة هي نفسها في الحالتين. هل فارق العمر بين الفتاتين هو الذي جعل ما لا يجوز في حق الفتاة الكبيرة، جائزا ومقبولا في حق أخري تصغرها سنا ؟.
.
ماذا إذا حدث أن حاول أحدهم إغواء واستدراج فتاة في عمر الطفولة ؟.. ألا تتفقون معي أن إغواء فتاة صغيرة أشد إثما وبربرية من محاولة إغواء آخري جميلة ناضجة ؟.. لماذا في هذه الحالة يعمل فارق السن في الإتجاه المعاكس ؟!.
.
إذا ما كانت الملاطفة والتعبير عن الجمال خطيئة في حق الفتاة الناضجة، ما الذي يجعلها مداعبة لطيفة ومقبولة في حق الفتاة وهي في عمر الطفولة.. هناك مفارقة ما ..
.
متى نتصالح مع أنفسنا؟:
.
حالة الإنكار التي نعيشها بصفة يومية في كل مناحي الحياة في حلنا وترحالنا حركاتنا وسكناتنا، إلى متي ستظل تتحكم في أقدارنا وتشعرنا بالضعف وتهزمنا في غياب الرقيب؟.. حالة الإنكار في العواطف والأحاسيس الفطرية.. في التعبير عن خياراتنا فيما نحب وما نكره.. وحتي في الأفكار وفنون الحياة.. حتى متى نحن منكرون. .
.
نحن نتظاهر في حياتنا بالزهد في المال والمناصب، وبعضنا يفتعل النأي عن مطايب الحياة ومغرياتها، في الوقت الذي نتقاتل فيه بشراسة زائدة من أجل حفنة من الدراهم، ونتحايل فيه ونداهن، ونطرق الأبواب الموصدة نكرر رجاءاتنا الخجولة كالمتسولين، بل نبكي وننشج على الملأ، حتي تخنقنا العبرات، حينما يكون علينا أن نفارق مكرهين، مقاعد السلطة بصولجانها ومغرياتها. يهزمنا كذلك أول إختبار بسيط وعلني في الأمانة وحفظ العهود..
.
نتظاهر بالزهد والفظاظة في مواجهة الفتنة الطاغية والحسن.. ونشيد الحظائر والجدر الأخلاقية.. ونتزمر، ونوبخ الآخرين، لأبسط مظاهر الغواية والإغراء والنداء الأنثوي.. ثم نفشل في التماسك وتميد الأرض من تحتنا، بل أكثر من ذلك تجدنا نفتعل تساؤلات، وننفق بلا هوادة، أوننشئ محادثاتٍ زلقةً لا طائل من ورائها، مع الفاتنات من النادلات وضابطات الإستقبال.. في أول عطلة نقضيها بعيدا عن أوطاننا ومجتمعاتنا، ونحن نتسكع منفردين في دبي.. وبانكوك ولندن أو أديس أبابا..
.
نزهد في الفتوحات المادية والمعرفية التي تتحقق علي الجانب الآخر من العالم.. ونتظاهر بعدم الإكتراث واللا مبالاة ونتبنى نصوصا تؤطر لعجزنا .. بينما يسيل لعابنا وننفق جل مدخراتنا، نتسابق علي تملك آخر صرعات الموضة والتقنية والحداثة، في السيارات والهواتف الذكية.. ونخطب سرا ود العارضات والفاتنات من النساء.
.
لماذا نحن مكابرون لهذا الحد.. ولماذا نحن كإبن آوى نؤجل أحلامنا حتى حلول الظلام..هل من سبيل لكي نتصالح مع أنفسنا وعواطفنا دون إنكار ومواربة.. ونقف علي أرض صلبة نتهيأ منها للإنطلاق..
nagibabiker@hotmail.com