الإنقاذ من البقاء إلى الفناء .. بقلم: ناصر السيد النور

 

إنّ التأملات التي تعقب الثورات تتصل عادة بالتغيير والثورة، فكلاهما حركة في تاريخ شعب ما لهما بعد يمتدُّ في الماضي وكذلك المستقبل وهو المراد تحقيقه.
والثورة، أو الثورات السودانية ومنها الثورة التي تجري أحداثها هذه الأيام لاقتلاع نظام الطغمة الإسلامية؛ تعيد إلى الأذهان استمرار المقاومة لأكثر من نصف قرن في بلد تنازعته حكومات أهدرت قيمه وذهبت بطموحاته في التطور والوحدة والحرية.

انتفاضات الشباب الحالية في مدن السودان المختلفة باعتراف الجميع، لم تقدها واجهات سياسية وإن يخشى عليها من ما يسمى في إعلام السلطان بركوب الموجة من بعض التيارات. فتبدت ثورة ضد أوضاع تساوى احتمالها والموت لدى شباب لم يعد أمامه من حل في واقعه المقهور. فهي ثورة، لكنها ليست على تصور النخب السياسية التي حلمت خلال ثلاثين عاما تدعو إليها بانتظار ممل. فلا هي ثورة تركن إلى تعريفات في الثورية الكلاسيكية، أو انتقال اجتماعي ينبئ بالتغيير في سياق اجتماعي، إنها الهبّة التي ستقتلع نظام مستبد تآكلت هياكله.

يستحيل فصل طغمة الإنقاذ عن وجودها وهي التي دشنت لسلطتها القائمة منذ 1989م، أو تصوّر سلطة قائمة بغير أفرادها من البشر الذين – بحسب زعمهم- لا يدركهم الموت وإن كانوا أبناء أنثى، غيرهم وليس هم من يحملون على آلة حدباء! جاؤوا إلى السلطة وشرعوا في التمكين، الذي هو البقاء والخلود الذي لا تطاله أقدار الله وتبدل الأحوال أو حتى يمسسهم قانون التطور النشوئي، فتحجروا مع السلطة الدائمة، وأصبحوا احفوريات شائهة مثبتة على جدار وطن متهالك. ففعل الثورة كفيل بإزاحة الطبقات المتراكمة بفعل الزمن والفساد والقهر.

ولكن ها هي الأحداث تطوق هذا النظام السرمدي، وقد لجأ جيش من المحللين المحسوبين عليه بتفسير الأحداث ذات الاتجاه الواضح في التغير كحق أساسي مكفول بالدستور! الحقيقة الغائبة التي ربما أدركها فقهاء السلطان ومثقفو السلطة للتو. فبالقدر الذي تعينهم الفصاحة الملتوية في تبرير جرائم النظم الاستبدادية، ينتقلون بنفس القدر إلى تفسير ما لم يعد بحاجة إلى شروحاتهم. فهي لم تعد مجادلات فلسفية ملغزة (مدغمسة)، بل حقائق العصر، وبكلمة واحدة ما يستخدمه الشباب المتظاهرون من وسائط التواصل الاجتماعي والانترنت والموبايل؛ ثورة اتصالات مسخرة لثورة إنسان له الحقُّ في المشاركة والاستخدام والتفاعل. فالحراك والتنظيم والتجمع والتحرك يمارسه شباب عبر عالم افتراضي لا يملك عسس السلطان المستبد مقاومته ولا يملكون غير قوة قاهرة بظنهم في القتل والترويع. ألم تثبت دعاوى المغرضين أعداء الأمـة بأننا أمة تحيا –في ذهنيتها- حياة القرون الوسطى!

مشاهد مثيرة حملتها أحداث في منطقة ظلت عصية على التغيير. فأصحبت السلطة غنيمة شخصية تصاغ على أطر دستورية تتخذ طابع الدولة، وشرعية مدعاة للحكم والزعيم فيها يرمـز إلى الحياة والموت لا يتنازل حتى إذا دكت الأرض دكا. وإن غيبه الموت فجينه البيولوجي يتناسل في حاضنة السلطة بعيدا عن مشاركة المقهورين والمشردين من شعبه.

في سابقة ضدَّ مجرى التأريخ، أنكرت الإنقاذ أن يغاشها ربيع الثورات العربية وهي المحصنة ضدَّ كل تغيير. فالسُّودان لا تنطبق –بزعمها- عليه ما يحث على الثورة أو حتى الخروج إلى الشارع، وهكذا انطلقت ألسن النفاق في التحليل والترجيح وضرب الرمل في إبعاد أي شبهة تحرك شعب السودان المسترق بعتوها السلطوي. بل، ادعى زعماؤها بأن الربيع العربي هم من بدأ حراكه في 1989م، العام الذي تنسمت فيه السلطة غصباً على ظهور المجنزرات. حالة من التسلط توحي بأكثر مما توحي به الجن في بيهم ليل السودان. لا حاجة لأحد لتفنيد أو التعاطي مع قول لا يعثر على منطق له إلا في عقول من يردد أصداء أكاذيبه. فالمرء كثيرا ما يصدق ما يتوهم!

على مدى ثلاثة عقود –كشأن كل الحكومات الديكتاتورية- تبجحت الإنقاذ على شعبها المغلوب بالمتغيرات أو إعادة صياغة الإنسان بتعبيرها الايدولوجي التي أحدثته على سودان المسغبة والحروب من نعم أن تعد لا تحصى في الرفاه المعيشي والبنيِّة التحتية ( الكباري والبترول) وأعواما من الإعجاز والإيجاز.

وبالطبع لا يذكر سجلها في الحرب والدمار والتعذيب والخراب الذي أهلك مواطنيها وأدخلهم إلى جهنمها الأرضي ذخراّ. فالإضافة إلى إنجازاتها المعمليِّة في التعذيب التي تضاهي نظيرتها الإنجازات العلميِّة النازية، وهي تؤسس وتثبت تجارب موت الانسان وإلى أي مدى يستجيب الجنس البشري إلى التجارب المعمليِّة قبل أن يلقى حتفه. وإن اختلفت الوسائل البدائية (بيوت الأشباح) وأفران معسكرات اويشسفتز!

من المفارقات أن حزمة حلول الإنقاذ بداءً من مشروعها الحضاري إلى حكومتها المتقشفة لإنقاذ (الإنسانية) وليس السودان من مشكلاته قد استندت إلى الدِّين مأؤلاً بتفسيراتها الذرائعية، قد انتهت إلى أزمات تطوِّق أصحابها في مفارقات مخزية محزنة. ما بقي من ضجيجها الخطابي الصاخِّب ألفاظاً مستكرهة، وجيش من الرباطة ودولة مفلسة ومواطنين أرقاء بالنزوح، والاعتقالات والقهر المسلط على رؤوسهم. ولكن الثورة لا تموت ابداً.

anassira@msn.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً