زين العابدين صالح عبد الرحمن
إن الحركة الاتحادية بكل تفرعاتها تراجع دورها الريادي من بعد رحيل الشريف حسين الهندي في عام 1982م، حيث بدأت تشهد صراعا بين قادتها و كل مجموعة كانت تشتغل بمعزل عن الآخرين، كان الأمل أن الانتفاضة في 1985م تكون سببا في توحيد الكتل الاتحادية في جسم واحدة، و الكل يخضع إلي شعارات الديمقراطية، و أن تسعى القيادات لعقد مؤتمر عام للحزب يبدأ من انتخاب مجالس الأحياء، و يتصاعد إلي القمة الهرم.. لكن الصراع قد تصاعد بين القيادات بعد انتصار انتفاضة إبريل في 1985م حيث تقسم الحزب لكتل و دخل الانتخابات مقسما، الأمر الذي أثر في نتائج الانتخابات التي حصل عليها الحزب..
قبل ثورة ديسمبر أيضا كانت الحركة الاتحادية مقسمة لإجزاء بعضها مشاركة في حكومة الإنقاذ و البعض الأخر في المعارضة، و حتى في المعارضة هناك مجموعة مشاركة في قوى الاجماع و أخرى في نداء السودان، و البعض الأخر يتوسط الثلاث تيارات.. الأمر الذي أدى لتراجع دور الحزب بصورة كبيرة في صناعة الأحداث، و حتى الغياب في التعليق عليها.. ثم فطنت بعض القيادات لضعف الحركة الاتحادية و هي موزعة بين التحالفات المختلفة حتى عرض تجمع المهنيين ” أعلان الحرية و التغيير” في يناير 2019م حيث وقعت عليه عدد من الأسماء المجموعات الاتحادية دون توحيد للرؤية. و كانت فرصتهم أن يتوحدوا و يقدموا مشروعا سياسيا تلتف حوله كل المجموعات الاتحادية في الساحة. و لكنهم عجزوا عن ذلك..
الآن جاءت الدعوة للحوار السوداني السوداني بأن يكون داخل البلاد، و أختلفت عليه المجموعات الاتحادية، هناك الرافضين و هم ” التجمع الاتحادي” بقيادة بابكر فيصل الذي يقف مع تحالف مجموعة ،صمود” و هناك أيضا مجموعة الحسن بن محمد عثمان الميرغني، و هي مجموعة تشارك في حكومة تأسيس من خلال إبراهيم الميرغني، و أيضا طه عثمان الحسين الذي يحمل التابعية السعودية و لكنه يعمل الآن مع الإمارات… أما بقية القوى الاتحادية الأخرى هي مؤيدة لحور الداخل، و لكنها مجموعة متفرقة ليس بينها رابط..
إن المجموعات الاتحادية متمثلة في الحزب الاتحادي الديمقراطي.. و للتعريف هي: مجموعة الشريف زين العابدين الهندي، و هناك الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل له قيادتان الأولى يقودها جعفر الميرغني و الثانية يقودها عبد الله المحجوب الميرغني، و هناك حزب الأشقاء و الحزب الوطني الاتحادي.. و هناك “تحالف وطن” الذي يضم التجمع الاتحادي الأمانة العامة.. كل هذه المجموعات الاتحادية عليها أن تجلس مع بعضها البعض و تتفق على رؤية واحدة في كل القضايا التي سوف تطرح داخل الحوار.. و لا اعتقد إن القضايا عليها خلاف، لآن الخلاف ينحصر في وحدة الكيانات، لأنه يتطلب الكثير من التنازلات، خاصة في مسألة الطوحات الشخصية.. لكن الاتفاق في وحدة “المشروع السياسي” و سوف يحتفظ كل قيادي بمقعده داخل حزبه.. فالدخول بمشروع واحدة في الرؤية يقرب المسافات بين الكيانات..
هناك قضايا تمثل جوهر الصراع السياسي تتمحور في ” الاتفاق على التحول الديمقراطي و الذي يجب أن يؤسس على قيم و عقائد و ثقافة المجتمع – نظام الحكم رئاسي أم برلماني – فدرالية الدولة أم مركزية – المبادي العامة للدستور – هل تكون هناك فترة انتقالية أم الشروع في انتخابات بهدف كسب الشرعية – إصلاح المؤسسة العسكرية و وحدتها – إعادة البناء في كل مؤسسات الدولة، و خاصة العدلية الشرطية و الأمنية و لابد من تطويرها و تحديثها و تدريبها و إصلاح مخصصاتهم.. إن الحرب قد أظهرت تماما أن هذه المؤسسات لابد الوقوف في تحديثها و تأهيلها.. و العمل على اصلاح التعليم أبتداء بالمناهج و تعديل السلم التعليمي، و رفع كفاءة المعلمين و زيادة مخصصاتهم و إنشاء معاهد لتدريبهم، العمل من أجل توسيع حرية و ديمقراطية البحث العلمي، و إن البلاد في حاجة لعدد من مراكز الدراست و البحوث لمد القيادة بالدراسات التي تساعدها على أنجاز مهامها.. و تقديم رؤى في إصلاح الاقتصاد و الزراعة و الصناعة و كل الخدمات، و البنيات الأساسية للدولة – محاربة الفساد و محاسبة المفسدين – لابد من نقد و تقيم علاقات السودان الخارجية مع الدول و المنظمات و خاصة دول الجوار – و التحالفات التي كان يدخلها السودان دون مراعاة لمصالحه الخاصة و مصالح شعبه.. مراجعة القوانين المتعلق بالعمل النقابي و الإعلامي و الصحفي و المؤسسات المدنية..
إذا كان البعض يعتقد إن الحوار هو إطلاق شعارات فقط و بعدها يتم توزيع المحاصصات تصبح الرؤية قاتمة لهؤلاء.. إن الحوار حتى إذا لم يكن مقصودا منه أن يدخل في بعض الأجندات لأنها تعتبر من أجندات “الحوار دستوري” لكن لابدة من الاتفاق على مبادي عامة تحدد طريق مسار الدولة السودانية بعد الحرب، و تبيان ما هي المباديء العامة التي تشكل لها أرضية لعمل إعادة البناء في مؤسسات الدولة.. لابد أن تصبح القيادات الاتحادية قدر التحدي و المسؤولية الوطنية.. إن الحوار ليس ” طق حنك” إنما هو يشكل رؤية لبناء دولة تسبب أبنائها في خرابها، و هي تحتاج لطريق مختلف عن كل شعارات ما قبل 15 إبريل 2023م.. طريقة جديدة للتفكير يبدأ من الوطن و ينتهي عند الوطن و المواطن..
إن مشاركة أكبر قطاع من الشباب مسألة ضرورية لبناء سودان ما بعد الحرب، و لذلك لابد للقوى الاتحادية أن ترجع لتاريخها الذي كان يسوق معه الجماهير في أية خطوة.. و أول خطوة هي الدعوة لانتخاب مجالس الأحياء تصاعديا.. حتى لا يصبح الحديث بأسم الجماهير و الشعب هو فقط استلاف لسان لابد إعطاء الشرعية لهم في المطالبة بحقوقهم.. و أيضا الدعوة لانتخابات النقابات حتى تصبح هناك قيادات شرعية هي المناط بها الحديث بأسم عضويتها.. و أيضا أن تخضع الإدارات الأهلية لانتخابات من قبل القواعد.. إن الدول التي تعجز عن النهضة و الحفاظ على أمنها و سلامة مجتمعها، و ينتشر فيها الفساد و المفسدين.. دائما تكون هناك مشكلة في الطبقة الوسطى بأنها عاجزة أن تؤدي دورها الاستناري الفكري في الإصلاح، تكون عاجزة في أن تصبح قوى اجتماعية قادرة على تقديم المشاريع و الرؤى في المجتمع و في الدولة.. هل يستطيع الاتحاديون إعادة المجد للطبقة الوسطى أم يصبحوا فقط في مسار يسار لا يعرف غير الهتاف.. نسأل الله حسن البصيرة..
الاتحاديون و الحوار و وحدة الرؤية
