بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة المقالات التى نشرها تباعاً الصحفي المرموق السر سيدأحمد بعنوان ” تحولات المشهد السوداني ” من ست حلقات حركت دافعاً قوياً في نفسي للمشاركة في حوار أتوقع أن يكون ايجابياً لما طرحه الاستاذ السر من قضايا و اراء حول الاوضاع المعقدة فى هذه الفترة المشتعلة بالازمات من تاريخ بلادنا . رغم أهمية موضوع كل حلقة و تفاصيلها الا اننى تخيرت أن أتناول بالتعليق و الطرح لارائي حول الاحزاب و الانتخابات معتبراً اياها من أهم العوامل فى عملية التغيير المنشود لما بعد سقوط نظام الانقاذ المتسلط على الرقاب لفترة ثلاثين عاماً . فقد التهبت ثورة ديسمبر2019 بعد أن عجزت كل محاولات حكم البشير للبقاء بكل وسائل العنف و الوثبات و التعديلات الوزارية وقال له الشعب ” تسقط بس ” فى اعتصام حاشد بالجماهير خاصة الشباب حول القيادة العامة للقوات المسلحة . و بالفعل تمت عملياً ازاحة المشير البشيرو نظام حكمه في 11 ابريل 2020 بيد قيادة القوات المسلحة و الدعم السريع و جهاز الامن و المخابرات الذين التقوا في اللجنة الامنية التي شكلها البشير لحماية نظامه فانقلبت عليه مؤكدة انحيازها لجانب الشعب . و من هذين التاريخين ديسمبر و ابريل تمت الشراكة بين المجلس العسكري الحاكم من قيادات القوات النظامية من جانب و تجمع الحرية و التغيير المشكل من قوى الثورة من تجمعات نقابية و مهنية و احزاب سياسية ناشطة و تجمعات المجتمع المدني . و تم الاتفاق على وثيقة دستورية و ميثاق سياسي بوساطة اثيوبية و الاتحاد الافريقى وقامت وفق الاتفاق اجهزة الحكم من مجلس سيادة و مجلس للوزراء لقيادة الدولة فى الفترة الانتقالية تحت شعار حرية سلام وعدالة و على ان ينتهي الانتقال باجراء انتخابات تعددية حرة ونزيهة.
موضوعنا حول الاحزاب و الانتخابات نبدأه بالتشديد علي ان الهدف من قيام الثورة هو اسقاط النظام الاستبدادي و تفكيكه و اقامة نظام مدني ديمقراطي تعددي الاحزاب يفتح المجال الى التبادل السلمي للسلطة . و هذا يعني بالضرورة وجود أحزاب قادرة على ممارسة ديمقراطية مستدامة تحت نظام مستقر يعم فيه السلام و سيادة القانون . وعليه كان من المفترض ان من اولويات الفترة الانتقالية توفير الشروط و المناخ الملائم لاصلاح الاحزاب لضمان مشاركتها الاساسية فى انجاح الانتقال . وهذا لن يتم الا باصدار قوانين ملزمة لتنظيم الديمقراطية داخل الاحزاب و عقد مؤتمراتها و ضمان انتخاب قياداتها وفق القانون و تحديد كيفية تمويلها و منع التدخل الخارجي فى شؤونها الداخلية و تشجيع الشباب للانضمام اليها لبث روح جديدة و ابتداع تقاليد حديثة فيها . و لكن العكس تماماً هو الذي حصل . فقد كان التقليل من شأن النظام الحزبى هو السائد وسط الرأي العام . ويجري ربط الاحزاب التقليدية بالتخلف والوراثة العائلية ، ثم كبر السن و ضيق الافق للاحزاب الايدولوجية دون بذل الجهد لاقتراح و فرض الحلول لهذه السلبيات المزمنة. و اصبح الراسخ في اذهان الناس أن حل قضايا السودان ليس لدى الاحزاب انما فى يد المهنيين و التكنوقراط . وقد يكون ذلك صحيحاً لحد ما للفترة الانتقالية المطلوب فيها الحياد و التجرد من التعصب للانتماء الحزبي ، الا أن ذلك ليس سبباً يحول دون بذل جهود جادة لاصلاح الاحزاب حتى تكون قادرة على تولي السلطة بعد الفترة الانتقالية و تتبادلها مستخدمة مناهج المنافسة الحرة عن طريق التعبير عن مصالح الناس و كسب ثقتهم وتوعيتهم بها و اعداد البرامج والتعبئة و التنظيم القاعدي و القيادي الفعال . اذ انه لا ديمقراطية بلا تعدد الاحزاب للتنافس الحر بتقديم الخيارات المتاحة في السياسة و الاقتصاد و الخدمات و التنمية ليختار المواطنون قياداتهم السياسية و اجهزتهم الحاكمة المفوضة بالانتخاب الحر المباشر .
ان من عوامل انحراف الاوضاع فى الساحة السياسية نحو الصراعات الحادة و الدامية والانقلاب العسكري هي البداية السيئة لعهد ما بعد الانقاذ . فقد ظهر طرفان هما المجلس العسكرى كتشكيل مخفف من اللجنة الامنية و القبول به ليكون طرفاً فى عملية التفاوض لقيام مؤسسات المرحلة الجديدة . صحيح ان تشكيلات القوات المسلحة و الامن و المخابرات و انضم اليها الدعم السريع هي كانت القوة الضاربة لنظام البشير . و اعتقد أن القبول بهذه الشراكة من الطرفين يهدف للخروج بأقل الخسائر و تفادي أي احتمالات لاراقة الدماء . و من جانب القيادة العسكرية فقد كانت تعتبرها فرصة بعد سقوط الانقاذ لبذل الجهد لحماية مصالح المؤسسة العسكرية و الامنية و المليشيات التابعة بعد استحالة حماية النظام الذي انشأها وسقوطه المدوي . كما تشكل الطرف الثاني من قيادات تحريك و تنظيم العمل الثوري من هيئات و تجمعات نقابية و احزاب تجمع قوى الحرية و التغيير التى تجمعت فيما اصبح يعرف اختصاراً ب ” قحت ” . و كانت قيادات فى قحت قد وجهت المتظاهرين الى الاعتصام بالقيادة العامة للجيش باعتبار انه جيش الشعب وعلى قيادته أن تنحاز للجماهير و تتولى الجوانب العملية لازاحة نظام البشي . و نجحت الشراكة في التأسيس لنظام للحكم بتنازلات بين الطرفين بوساطة أفريقية و أثيوبية توجت بالتوقيع على الوثيقة الدستورية على علاتها و تم وفقها تشكيل مجلس للسيادة و مجلس وزراء من التكنوقراط و جىء بالدكتور عبدالله حمدوك الخبير فى المنظمات الدولية لرئاسته . وما لبثت الصراعات أطلت برأسها بين الطرفين العسكري و المدني و داخل كل منهما و بصورة حادة داخل التجمع المدنى . لا أريد استعمال كلمة المكون اذ انه كان من المفترض أن تختفى هذه المكونات لتسمح للاجهزة الحكومية أن تعمل وفق الوثيقة الدستورية كمؤسسات دولة مفوضين من الشعب و قواته المسلحة لقيادة الفترة الانتقالية . و من بين الاسباب القاتلة لهذه الشراكة كان الاتفاق على أن يتم تكوين مجلس سيادة توافقي شرفى بصلاحيات محددة بين العسكريين و المدنيين برئاسة القائد العام للقوات المسلحة و نائبه ” قائد عام” الدعم السريع . وهذا تناقض غريب في صلاحيات مجلس سيادي اتكون توافقية شرفية غير تنفيذية و لكن تم القبول بان يبجمع رئيسها بين منصب القائد العام للقوات المسلحة بكل وضعه النظامي و قوته العسكرية و منصب رئاسة مجلس تشريفي . و ما لبث العسكر أن أزالوا هذا التناقض عملياً برئاسة اللجان الهامة فى الحكم و هى المختصة بالامن والسلام و الاقتصاد و الصحة و غيرها من اللجان ذات الطابع التنفيذي و قبل رئيس الوزراء و وزراؤه بدور ثانوي فيها . ثم تولى قائد الدعم السريع وكبار العسكريين قيادة الوفد الحكومي لمفاوضات السلام مع الجبهة الثورية و حركات اخري التى عقدت في جوبا بوساطة جنوب سودانية و كان مكان المفاوضات في حد ذاته خطأ فى رمزيته حيث أن الوسيط هو الذى عمل لفصل جنوب السودان عن البلاد . و تتالت الاحداث فى اتجاه هيمنة العسكر بالبطء في الوصول لنتائج التحقيق في جريمة فض الاعتصام البشعة . ثم جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة لكمبالا حيث التقى برئيس الوزراء الاسرائيلي ، وعلى هذا النهج اصبح رئيس او اعضاء مجلس السيادة هم رؤساء الوفود فى القمم الدولية و الاقليمية و تم بذلك سحب ملف العلاقات الخارجية من مجلس الوزراء الذي قبل على مضض . و بينما الطرف العسكري يدعم فى مراكز نفوذه كانت قحت ، التى اعتبرت ” الحاضنة ” السياسية للحكومة المدنية ، تتشرذم و تتجاذب الصلاحيات و السياسات و التعيينات القيادية مع مجلس الوزراء الذى كان رئيسه يريد أن تكون له كل الصاحيات التنفيذية . و كان هذا التنازع يصب فى صالح الطرف العسكري حيث تبين ضعف رئيس الوزراء فى اتخاذ القرار و لذلك تم ردمه بكل اخطاء فترة الحكم الانتقالي لثلاث سنوات . و انتهى الامر بالانقلاب العسكري الذي أسموه اصحابه بعملية الاصلاح و للعجب صدرت قرارات 25 اكتوبر باسم القائد العام للقوات المسلحة تحت قانون الطوارئ وتضمنت حل مجلسي السيادة و الوزراء و اعتقال رئيس الوزراء و بعض المشاغبين من وزرائه و اعفت الولاة و وكلاء والوزارت من مناصبهم و بعض السفراء الذين رفضوا الانقلاب العسكري. وبعد وساطات داخلية و ضغوط خارجية تمت مصالحة بالتوقيع اعلان اتفاق بين الفريق البرهان و الدكتور حمدوك يوم 21 نوفبرالماضي. تلاه تشكيل مجلس سيادة قديم – جديد . و لا تزال البلاد بلا حكومة رغم التطورات الجارية من مظاهرات واسعة و تجمعات حاشدة رافضة لاتفاق الثنائي . و من جهة أخري أدى الانفلات الامني الى انفجار الاحداث الدموية فى غرب دارفور و غرب كردفان . على كل حال فان دخول القوات المسلحة فى السياسة مناقض تماماً لطبيعتها المهنية و القومية و انضباطها العسكري الذى يسير بالاوامر عكس العمل السياسي الذى هو بالضرورة اختلاف فى الرأي و قبول قرار الاغلبية .
وصف الاستاذ السر سيدأحمد فى مقاله المشار اليه الوضع الحالي بمثل القطار الذي خرج من مساره و يحتاج الى رافعة جديدة لوضعه على مسار الدولة . و أشار الى وفاة الامام الصادق المهدى اخر الاكتوبريين وبذلك انطوت حقبة كاملة من تاريخ السودان الحديث . كما اشار الي تضعضع القدرات القيادية لمتصدري المشهد السياسي الحالى . و نضيف الى ضعف حزب الامة لانقساماته و الاختلافات الداخلية التى انعكست فى التردد الذى شاب موقف قيادته من اتفاق البرهان – حمدوك علماً بمشاركة رئيسه المكلف فضل الله برمة ناصر في جهود الوساطة لابرامه بينما رفض المكتب السياسي الاتفاق . و الواضح أن أحزاب البعث باجنحتها المختلفة لا تمتلك وزناً كبيراً فى الساحة السياسية مثلها فى الناصريونو حزب المؤتمر السودانى و كلاهم يعتمدون على التحرك من داخل قحت التي وصف حالها الان الاستاذ السر باللاهث خلف الشارع الذي يفترض أن تقوده . اما الحزب الشيوعى فانه تضرر في السابق من انهيار الكتلة الشيوعية فى العالم . ثم تضررت وحدته و بصفه خاصة وسط الشباب عند معارضته لحكومة حمدوك التى كان الشباب يريد منها و من رئيسها أن يكون رمزاً وقيادة لشعارات الثورة و كان فألهم بلا طائل . و قد وضع الحزب الشيوعي شروطاً لاجراء الانتخابات هى بالتأكيد ضرورية و لكن لا يسعف الوقت لاستكمالها اذا اخذنا فى الاعتبار البطء الذى يتم به اتخاذ القرار فى كل المستحقات الهامة للفترة الانتقالية . و ظل الحزب الاتحادي الديمقراطي الاصل مستبعداً عن قحت و الحكم باعتباره مشاركاً فى حكومة الانقاذ قبل الاطاحة بحكومة البشير و لكنه تحرك مؤخراً للتعبير عن تأييده لاتفاق البرهان – حمدوك . ويظل الحزب يعانى كغيره من الانقسامات و التشرذم التى قد لا تسمح له بالحماس لفكرة الانتخابات وهو بهذه الحالة من الضعف.
و اذا نظرنا لاوضاع الاسلاميين بعد الثورة كطرف موجود عملياً فى الساحة السياسية فاننا نقول أن الاتفاق بين الاطراف الحاكمة و المؤثرة فى اتخاذ القرار الحالى بمنع المؤتمر الوطنى الحزب الحاكم فى العهد المباد فان ذلك لن يمنع من مشاركتهم بصورة او اخري فى تحديد معالم الساحة السياسية القادمة . و من المؤكد ان قيادات الحكم السابقة تباشر عملاً سرياً منظماً فى الداحل و من السجون و من الخارج. و لن يكون حل المؤتمر الوطني مانعاً له من ممارسة نشاطات سرية او حتى المشاركة بصورة او بأخرى فى الانتخابات القادة . و المثال لذلك الحزب الشيوعي الذى استطاع رغم حله بواسطة الجمعية التأسيسية في نوفمبرعام 1965 المشاركة فى انتخابات وفوز زعيمه عبد الخالق محجوب عام 1968 نائباً عن دائرة امدرمان الجنوبية و القيادى العمالي الحاج عبدالرحمن عن دائرة عطبرة. كو من ناحية أخرى يلاحظ أن المؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور علي الحاج و عدد مقدر من الذين كانوا وزراء و مسؤولين في الانقاذ ظلوا يؤكدون ان حزبهم كان في مواجهات قوية مع حزب البشير الحاكم منذ زمن طويل و قدم حزبهم الشهداء الابرار و من بينهم احد رموز ثورة ديسمبرالشهيد أحمد الخير . و لا بد من الاشارة هنا الى العديد من المفكرين الاسلاميين الذين اسهموا فى منافحة حكم البشير و قد برزت افكار عند بعضهم لانشاء حزب او تحالف يجمعهم و غيرهم للعمل السياسي في الفترة القادمة.
و هناك التنظيمات الشبابية فى لجان المقاومة التى برهنت على بسالة و صمود و ما قدمته من شهداء كان عاملاً هاماً من العوامل الرئيسية فى نجاح ثورة ديسمبر و الحراك الحاشد الان فى شوارع العاصمة و الاقاليم . و من المؤكد أن لهؤلاء الشباب و تنظيماتهم دوراً مؤثراً فى الانتخابات العامة القادمة ان قدر لها أن تجرى . و قد سارت حالياً على الطريق الصحيح بالتنظيم في لجان تنسيقية من المرتجى أن تشكل قيادة حركية و تنتظماً أفقياً لتغطي البلاد بقراها و حضرها . اذ ان واحدة من مميزات ثورة ديسمبر هو بداياتها في الاقاليم و انتشارها فى المدن الصغيرة و القرى و البوادي . و هذا من المتوقع أن يغير الخارطة السياسية عند اجراء الانتخابات المزمعة لصالح القوى الحديثة . كما انه سيكون لها ثقلها الشعبي فى حالة قيام الانتخابات المحلية التي اقترحها الدكتور حمدوك في تدخلاته الاخيرة بعد عودته لمكتبه برئاسة الوزراء . كما نعود بالذاكرة لمقترح قيم اخر من الدكتور حمدوك بالتفكير فى أن تكون التنمية الاقتصادية بالسودان وفق الميزات النسبية لكل منطقة فى منتجات معينة لتطوير الانتاج و الانتاجية فيها . و ان تبنت تنظيمات الشباب بتوعية الشعب في الاقاليم فى هذا الاتجاه الذى أراه سليماً سنخرج من افة الجهوية و الاثنية القبلية التى تتحكم فى اذهان بعض قادة الحركات و تشكل خطراً فعلياً على وحدة البلاد .
و باختصار نستطيع القول أن المكونات الحزبية العاملة فى الساحة السياسية الراهنة في حالة ضعف بين و اهتزاز لا تخطئه العين . هذا الوضع قد لا يجعلها قادرة على الاحتفاظ بالاوزان السياسية و القوة الانتخابية التى كانت تتمتع يها في اخر انتخابات برلمانية تعددية عام 1986 . ويزيد وضعها سوءاً بأوصاف الشيطنة التى تتعرض لها حالياً . و الاحتمال الاكبر أن تلاقي الاحزاب التقليدية منافسين جدد لهم اتباعهم فى مناطق نفوذها السابقة مثل المنتسبين للحركات المسلحة بدارفور و الحركة الشعبية شمال المنقسمة فى جبال النوبة و النيل الازرق . و يمكن القول صراحة ان المناخ السياسي الراهن ليس به مؤشرات ايجابية تدعو الاحزاب للحماس للانتخابات القادمة , و بل يشير الى عدم قدرتها على تحقيق نتائج تثمر اغلبية حاكمة قوية . و بالتالي فان فرص تثبيت اركان حكم تعددي جديد بعد الانتخابات المقررة حتى الان بعد سنتين و نصف تبدو ضئيلة ، و لن تعطى الشرعية اللازمة شعبياً لنظام حكم ديمقراطي مدني مستدام . اللهم الا أن تتيسر الامور و تتغير الاوضاع الى حالة افضل. أقول قولى هذا و فى النفس قناعة بأن الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة للحكم الديمقراطى المنشود. فان الثورة ما قامت الا لأنهاء حكم الاستبداد و اقامة البديل من نظام الحرية و الديمقراطية المستدامة و السلام و العدالة.
القضية ليست هى رفض فى الرأى العام لمبدأ الانتخابات كطريق للتبادل السلمي للسلطة ، انما هناك شعور بالخوف من أن اجراء الانتخابات فى هذه الظروف المضطربة لن يؤدى الا الى تجربة ديمقراطية فاشلة و العودة للدائرة الجهنمية انقلاب- ديمقراطية-انقلاب المستمرة منذ الاستقلال . لهذا تردد النخب أنه لابد من فترة انتقالية كافية لتفكيك النظام البائد و اصلاح الجيش و الامن و أجهزة الدولةو ضم الدعم السريع و المسلحين نهائياً للقوات القومية المسلحة ، و ترتيب الاوضاع بحيث تكون صالحة لانتخابات نزيهة تثبت دعائم ديمقراطية مدنية مستدامة . و يرى البعض نقيضاً لذلك بالقول أن هذه النخب و الاحزاب الصغيرة ليس لديها أساساً حظ فى الفوز بمقاعد فى انتخابات عامة. و على ذلك تفضل اطالة عمر الانتقال و ابتداع تجمعات و اجهزة دولة بالتعيين تضمن سيطرة افندية الخرطوم على اتخاذ القرار . و يستغرب بعض المراقبين الاجانب من ارتفاع صوت العسكريين في السودان باجراء انتخابات عامة ديمقراطية ليسلموا زمام السلطة لنواب الشعب المنتخبين، بينما يلاحظ أن المدنيين من تجمعات المهنيين وبعض الحزبيين لا يتحمسون لهذا الخيار على اساس أن ظروف السلام و تفكيك النظام السابق و تشكيل الاجهزة العدلية لم يكتمل . و فى رأيي أن رفض فكرة الانتخابات و شيطنة الاحزاب يسيران فى خط واحد نحواستطالة عمر الانتقال و احتفاظ من هم فى الساحة بالسلطة من النخب و لو بتحالف مع العسكريين . و الشاهد أن المواطنيين لم يشهدوا أي تقدم طيلة سنوات الانتقال لما بعد الانقاذ فى ملفات التحضير للانتخابات، اذ لم يتم تشكيل المفوضية المنوط بها ذلك. و ظل التردد الحكومي فى اعطاء أولوية لاجراء الاحصاء السكانى و سجل الناخبين رغم استعداد المانحين من دول و منظمات لدعم هذا الاجراء ، الذى تعم فوائده العظمي الانتخابات و الاقتصاد و تنمية الموارد البشرية و المادية و تأسيس الحكم الاقليمى و الحكم المحلي و غيرذلك . و لم يتم تشكيل لجان فنية و سياسية و قانونية لتقديم خيارات دستورية و قانونية محكمة لاجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية ، و تحديد كيفية تقسيم الدوائر الانتخابية و الاقتراع بصوت واحد لشخص واحد و نائب واحد لدائرة واحدة ام خيارات أخرى لعدة نواب للدوائر الكبرى كما هو الحال فى باكستان، أم هناك نظم تفضيلية لنواب لفئات معينة و أى خيارات أخرى تناسب أوضاع بلادنا الجهوية و الاثنية . و في تقديري أن النظام الرئاسي الذي اخذت به تقريباً كل الانظمة الديمقراطية التى حلت محل دكتاتوريات فى افريقيا و امريكا اللاتينية . وأضيف أن من محاسن النظام الرأسي ان فيه تفادى لضعف لقيام الوزارات الائتلافية فى النظم البرلمانية التي جربناها . كما انه يدفع لقيام تحالفات بين الاحزاب والتوافق بالضرورة للتصويت لفوز مرشح فب الجولة الاولى من الاثنين الاكثر اصواتاً عند الاقتراع فبينهما في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية . كما يتيح النظام الرئاسي الفرصة لدخول العسكريين السابقين للسباق الرئاسي و تقدم نيجيريا الاتحادية المثال لذلك بانتخاب الجنرال اوباسانجو لفترتين رئاسيين وقد كان في السابق نائبا ثم رئيساً لمجلس عسكري انقلابى . و يتكرر نفس التجربة حالياً لصالح الجنرال بخاري الذى كان رئيساً لمجلس انقلابى و عاد بعد عقود لينتخب بزى مدني رئيساً للجمهورية . و يقيني ان كان لهذه الموضوعات الانتخابية مكاناً فى الحوار فى ساحة الانتقال السياسية لالتفت المواطنون و الاحزاب للنقاش حول هذه الموضوعات الهامة و الاستعداد نفسياً و عملياً لفترة ما بعد الانتقال بدلاً من الغرق فى ملهاة صراع عبثي بين الطرفين العسكري و المدني حول كراسي سلطة انتقالية وهما عاجزان عن تشكيل حكومة و بالبلاد تشهد انفلات أمنى انهيار اقتصادى واضح المعالم . ان دخول الجيش فى السلطة و العمل السياسي مضر بمؤسستهم القومية المهام و القائمة على الانضباط و الاوامر ، بينما التنافس و الاختصام السياسي من طبيعة نظم التعددية الحزبية المدنية. اما التنافس و الاختصام بين العسكريين فان النتيجة هى التفكير فى فرص الانقلاب المؤدى لانتصار رئيس قائد جديد و اعدام رئيس محتمل خاسر و كلاهما ينتميان لنفس المؤسسة والمهنة العسكرية العالية المقام و الاحترام عندما تقوم بواجبها القومي بحماية حدود البلاد و سيادتها و أمنها. اما فى حالة الحكم الديمقراطي فان الخلاف و تنوع الاراء فعل طبيعى يرسخ لمبادىء التنافس الحرو احترام الاغلبية و التبادل السلمي للسلطة بالانتخاب، و للاسف عندنا ينتهى بالعجز و الفشل حتى ” ان اختطف الحكومة كلب لا يجد من يقول له جر ” كما قال المرحوم زين العابدين الهندى من على منبر البرلمان .
و اختتم بالاشارة الى موضوعات العلاقات الاقليمية و الدولية خاصة مع أمريكا التي تناولها الاستاذ السر بتفاصيل هامة و معلومات ثرة مفيدة . و هنا أدعو الزملاء من الدبلوماسيين و المختصين الاكاديميين بتناولها بالتحليل و التعليق . و انوي شخصياً تناولها فى مقالة قادمة ان مد الله فى الايام .
wahabassawi@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم