الاستقلال الثاني للسودان .. بقلم: خالد أحمد
13 فبراير, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
19 زيارة
kh_ahmmed@hotmail.com
هذا المقال ليس حرقا للمراحل أو قفزا على الوضع الآني، وليس كذلك انشغالا عن المسيرات السلمية والوقفات الاحتجاجية التي هي أولوية في اللحظة الحالية، ولكنه دعوة لكل فرد عندما يجد بعض من الزمن ان يساهم به فما نريد ان نصل إليه دون ان يؤثر ذلك على حركة المسيرات والاحتجاجات.
لقد فشلت كل الأنظمة السابقة في إدارة الدولة السودانية، ولكن أسوا فشل كان فشل الحركة الإسلامية التي حكمت لمدة 30 عاما ولم تفرخ سوى القتل والدمار والجوع وتفكك السودان، فلم تصل كل الأنظمة والأحزاب إلى صيغة تلبي مطامح كل الشعب السوداني في العدل والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، ويرجع ذلك إلى قصور في مفهوم الدولة والوطن للأحزاب التاريخية التي جاءت بعد الاستقلال وكذلك الأنظمة العسكرية، فلم يكن في ايدولوجيا تلك الأحزاب معنى ومفهوم للإنسان السوداني أو الوطن السوداني، وانشغلت كل منها بايدولوجيتها الخاصة ومحاولة فرضها على الإنسان السوداني بقوة الدولة، وكان أسوئها كما ذكرنا نظام الجبهة الإسلامية الذي جاء بإسلام وقيم لا يمثل إسلام الشعب السوداني أو قيمه، واستخدم كل قوة الدولة العسكرية والمالية لمحاولة فرض ذاته بالقوة على السودان، وحاول الشعب السوداني في عدة ثورات ان يصحح الأوضاع وإعادتها إلى نصابها والعودة إلى طبيعتهم، ولكن في كل مرة كانوا يواجهوا بالقتل والبطش من قبل الحركة الإسلامية دون ادني محاولة للاستماع إليهم، فاهتدى الشباب من التاريخ السوداني إلى فكرة تجمع المهنيين حتى ينعتق كل السودان من نظام القتل والإبادة والجوع وكذلك حتى يصلوا إلى الدولة التي يحلم بها كل سوداني.
فما يحاول ان يفعله التجمع المهني وما نحاول ان نفعله معه هو بناء الدولة السودانية دولة العدالة والكرامة الإنسانية لكل فرد سوداني، وهو ما فات على آباء الاستقلال، فقد انشغلوا بالايدولوجيات الوافدة من الخارج والتي لا ترى الإنسان السوداني أو القيم السودانية، وسعوا إلى فرض تلك الايدولوجيات على الشعب السوداني وعملوا على إقصاء بعضهم بعضا، فضاعت الكثير من الأرواح والكثير من الزمن بين متاهات تلك الأحزاب.
فالتجمع ليس فرد أو منظومة مغلقة أو وصلوا إلى ما يريدون، بل هم يسعوا إلى لملمة شتات أبناء السودان واستقلال طاقاتهم وأفكارهم فيما يفيد في بناء وطن يمثل كل الشعب السوداني، بعيدا عن الإقصاء أو فرض الوصاية وكذلك بعيدا عن ادعاء الحقيقة المطلقة أو الرؤية الكاملة. فالتجمع ليس حزب يسعى إلى حكم السودان ولكنه يسعى من خلال كل أبناء السودان إلى إيجاد صيغة لكيف يحكم السودان، ووضع القواعد واللبنات الأساسية لذلك الحكم مع الأحزاب والمجموعات التي تسعى إلى وطن يسع الجميع، ثم بعد ذلك يسلم الحكم للأحزاب لتمارس دورها التنفيذي فقط، وليس الفكري أو الوصاية على الآخرين.
وسيكون من البديهيات للوصول إلى كيف يحكم السودان النظر إلى ماضي التجربة السودانية والاستفادة من أخطائها حتى نتجنب تكرار الخطأ، ومن أول الأخطاء والتي واجهت الثورات السابقة في أكتوبر وفي ابريل ومايو هو عدم وجود رؤية واضحة للذين قاموا بتلك الثورات، فقد تم إعادة تسليم الوطن إلى ذات الأحزاب الايدولوجية التي أضاعت السودان وتم التسليم ذلك دون قيد أو شرط، ولذلك ما نحاول ان نفعله هو بناء قالب الدولة السودانية ثم بعد ذلك تسليمه للأحزاب حتى لا نعود إلى ذات الدائرة أو المتاهة. ومن ضمن الأخطاء هو عدم تعريف الدولة السودانية بصورة تشمل كل السودانيين إلى الآن إلا وفق مفاهيم الإقصاء والانحياز، ولن ننشغل بعد الآن بالمصطلحات ولكن سننشغل بمعناها فلا تعنينا كثيرا مسميات دولة المدينة أو الدولة المدنية أو العلمانية أو الاشتراكية وغيرها فهي الدولة السودانية في نظرنا، ولكن ما يعنينا ان تكون الدولة في معناها هي سبيل أو طريق لتكامل السودانيين مع بعضهم البعض، إذا كان في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الأمني، ويجب ان تدرك الدولة انها ليست راعي للمواطنين وليست فوقهم. وذلك ليس تهربا من المسميات الايدولوجية وغيرها، ولكننا ندرك ان كثير ممن هم فوق سن الأربعين من الأفراد العاديين وتحديدا في المدن قد تم غسل أدمغتهم من قبل نظام الحركة الإسلامية بمصطلحات كثيرة، لذلك سنذهب إلى المعاني مباشرة حتى يكسب الشباب زمنهم لبناء دولتهم وسنتفرغ بعدها لأصحاب الايدولوجيات وللذين تم غسل أدمغتهم. (وحتى لا يتم استيعاب خاطئ لمن هم فوق سن الاربعين، فهم مع الثورة بعواطفهم واكثر من عانى من الغلاء وغيره باعتبارهم مسئولين ولديهم اسر واطفال، ولكن الرؤية الفكرية لديهم مهزوزة)
وعندما تكون الدولة سبيل لتكامل السودانيين بين بعضهم البعض، سيكون حق الحياة لكل فرد سوداني بغض النظر عن عرقه أو دينه أو قبيلته هو حق مبذول للجميع، وسترجع القيم السودانية الأصيلة بعد إزالة كل التشوهات التي حدثت من قبل هذا النظام وحاول من خلالها تفكيك الشعب السوداني.
وكذلك من خلال الاستفادة من التجارب السابقة علينا إزالة الاخطا والتشوهات في كل أنحاء القيم السياسية التي كانت تعمل على إعاقة تكامل الشعب السوداني، إزالتها من الدستور وإدراك انه القانون الأسماء ويجب ان لا يحتوى على عبارات اقصائية أو عبارات تمييز حتى لا نعيق عملية التكامل، فيمكن ان يكون هنالك اختلاف في القوانين بين المجموعات ولكن ليس في الدستور. وكذلك من الاخطا الدور المشوه للسياسيين، فعلى السياسي إدراك انه رجل تنفيذي وفق دور محدد ومرسوم بدقة يتكامل مع ادوار أخرى، فلكل فرد رجل أو امرأة مسئول توجد لديه سلطة محدودة دائرية وليست هرمية، وكذلك إعادة تعريف من خلال المفاهيم أو المعاني لعقيدة القوات النظامية بكل أفرعها، وكذلك معالجة التشوهات في النظام القضائي وطريقة أدائه. وغيرها الكثير من الاخطا التي يمكن ان نتعلم منها أو الأفكار التي يمكن ان نضيفها، فإدارة الدولة هي شان حزبي سياسي ولكن كيفية الإدارة هي شان عام يهم جميع السودانيين بمختلف اتجاهاتهم.